التعليم بين التطور والتدهور 



بقلم اسلام احمد علي

حتى نفهم القضية كاملة؛ علينا أن نعود بالزمن للوراء، تحديداً النصف الآخر من القرن السابع عشر؛ حيث اختمرت النزعة التجريبية في طيَّات العقل الأوروبي، حتى ظنوا أن كُلَّ ظواهر الكون إنما يُفسِّرها المنهج التجريبي وحده؛ وعلى هذا فإنهم شرعوا في تشييد صَرْحٍ معرفيٍّ مجرداً عن العلوم الإنسانية والقضايا الماورائية.

فهل يا ترى يمكن أن تقف غاية العلم عند الوصف فقط؟!
هل المنهج التجريبي بمفرده قادر على معالجة كل الظواهر الكونية؟!
لما ساروا على ذلك أكثر من مائتي عام؛ ووجدوا أنَّ حقائقَ كثيرة في الكون قد غابت عنهم؛ فإنهم أعادوا إنشاء قسمٍ جديد أسموْه بالبارا سيكولوجي؛ وأدرجوا تحته كل هذه العلوم والقضايا التي لا تفسير لها في «العلم التجريبي».

هل حذت الحضارة الإسلامية حذو النموذج الغربي؟!
الحق أن النموذج المعرفي الإسلامي –الذي صنع الحضارة الرائقة الفائقة– لم ينزع أبداً نحو هذا الفهم المادي؛ بل اتسع مصطلح العلم عندهم ليشمل؛ العلوم الطبيعية والإنسانية والعقلية والشرعية، وفرق هؤلاء بين أن تكون غاية العلم مقتصرةٌ على الإكتشاف والوصف –كما هو الحال في النموذج الغربي– وبين أن تكون الغاية من وراء البحث العلمي؛ الفهم والتفسير لتحقيق الإرتقاء بالفكر الإنساني؛ وإشباع الفضول المعرفي عند الإنسان.

هل تتأثر المجتمعات سلباً أو إيجاباً بتهميش دور العلوم العقلية والإنسانية؟!
إذا ما تقرر ذلك؛ فإن تهيمش العلوم العقلية والإنسانية يؤدي بالمجتمع إلى حالة من إنهيار القيم وتدني الفكر وانحدار السلوك وغياب المنطق الذي يضبط سيرورة الذهن البشري في رحلته نحو تميز الصواب عن الخطأ، الحق عن الباطل.

ماذا تستفيد المجتمعات من دارسي العلوم الإنسانية والفلسفية منها على وجه الخصوص؟!
إن دراسي العلوم الإنسانية والفلسفية –على وجه التحديد– يمتازون بملكة النقد والتحليل والتركيب الذي يكون معها الفرد مستوعباً لأحداث مجتمعه واعياً بمشكلات الإنسان محاولاً تقديم حلولٍ مناسبة لتحقيق سعادة البشرية.

إن الشعور الفلسفي يا سادة هو قمة النضج العقلي عند الإنسان؛ ما يجعل الإنسان راغباً في الكشف عن حقيقة الحياة وأهدافها؛ وكلما زاد نضج عقول الأفراد –عن طريق دراسة الفلسفة– كلما استفاد المجتمع ككل من هذا النضج الذي يتفهم الحقوق والواجبات وقيمة التعاون مع الدولة؛ وهو جوهر الصناعة الحضارية

Share this content:

You May Have Missed