قضايا التعامل مع الإنسان

بقلم  محمـــد الدكـــروري

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد إن الإنسان كما هو معلوم مكون من عدة قضايا فهو ليس آلة من الآلات وإنما هو إنسان بروحه وجسمه وعقله ومشاعره وهو محتاج لتغذية هذه الأمور كلها وبعض الناس يخطئون عندما يتعاملون مع الإنسان في الجانب الدعوي مثلا إذ يتعاملون مع الفكر فقط أو الفعل فقط دون أن يهتموا بمشاعر الإنسان الذي يتعاملون معه كأصحاب المصانع الذين يتعاملون مع الجسم كم ينتج ؟ كم ساعة يعمل ؟ ويهملون جانب الفكر وجانب العقل وجانب المشاعر، وكثير من الناس يهملون جوانب وقضايا من قضايا التعامل مع الإنسان.

ولكن لابد من التركيز عليها كاملة حتى يكون التعامل مع الإنسان شاملا ومؤثرا، وهذا التعامل الذي أكتب عنه يختلف الأثر الناتج عنه بحسب محتوى الكلام أو طريقة الكلام أو السلوك المصاحب للكلام فقد يقول إنسان كلاما معينا تحس منه أن هذا الإنسان يقوله من قلبه وآخر يقول الكلام نفسه غير أنك تحس أنه يقوله من فمه فهذا شخص يقول جزاك الله خيرا، وثاني يقول الله يجزيك الخير، وثالث يقول جزاك الله خيرا، فستشعر أن الثاني والثالث يقولان الكلمة من قلبيهما وهذا يحتاج إلى تدريب وإلى ممارسة، فإنسان يكلمك وهو ينظر إليك فهو يحترمك ويقدرك، فهذا يختلف عن إنسان يكلمك وهو ينظر إلى ورقة أمامه أو إلى مكان آخر حتى إذا سكت عن الحوار قال لك تفضل أكمل وهو ينظر إلى الأرض مثلا، إن هذا غير مهتم بك.

وإن من أعظم أنواع المحبة هي محبة الله تعالي وهي المحبة الباقية الدائمة ليوم الدين فلو كان حب الله تعالي ورسوله يملأ قلبك لملأت الدنيا بالحديث عنه وذكره والتفكير في مخلوقاته وعدّ نعمه التي لا تحصى، ويقول ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان “فأصحاب العشق الشيطاني لهم من تولي الشيطان والإشراك به بقدر ذلك، لما فيهم من الإشراك بالله ولما فاتهم من الإخلاص له ففيهم نصيب من إتخاذ الأنداد ولهذا ترى كثيرا منهم عبدا لذلك المعشوق متيما به يصرخ في حضوره ومغيبه أنه عبده فهو أعظم ذكرا له من ربه، حبه في قلبه أعظم من حب الله فيه وكفى به شاهدا بذلك على نفسه ” بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ” فلو خُيّر بين رضاه ورضى الله تعالي لاختار رضا معشوقه على رضا ربه ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه.

وتمنيه لقربه أعظم من تمنيه لقرب ربه، وهربه من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه يسخط ربه بمرضاة معشوقه ويقدم مصالح معشوقه وحوائجه على طاعة ربه فإن فضل من وقته فضلة وكان عنده قليل من الإيمان صرف تلك الفضلة في طاعة ربه وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ومصالحه صرف زمانه كله فيها وأهمل أمر الله تعالى يجود لمعشوقه بكل غالي ونفيس ويجعل لربه من ماله، إن جعل له كل رذيلة وخسيسة، وإن قام في خدمته في الصلاة فلسانه يناجي معشوقه ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق، ينفر من خدمة ربه تعالي حتى كأنه واقف في الصلاة على الجمر من ثقلها عليه وتكلفه لفعلها، فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحا بها ناصحا له فيها خفيفة على قلبه لا يستثقلها ولايستطيلها.

وأصل ذلك كله من خلو القلب من محبة الله تعالى والإخلاص له والتشريك بينه وبين غيره في المحبة ومن محبة ما يحب لغير الله فيقوم ذلك بالقلب ويعمل بموجبه بالجوارح وهذا هو حقيقة اتباع الهوى” ولا يأمن العاشق أن يجره ذلك إلى الشرك كما جر ذلك الشاعر الخاسر حين قال رضاك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل، فنعوذ بالله من الخسران المبين، وسبب ذلك هو خلو القلب مما خلق له من عبادة الله تعالى التي تجمع محبته وتعظيمه والخضوع والذل له والوقوف مع أمره ونهيه ومحابه ومساخطه

Share this content:

You May Have Missed