نشيدُ القبسِ

​بقلم الشاعرة سحر حليم 

​يا قبسًا يشعُّ من غبارِ النجومِ،
​أيُّها السرُّ الذي يخرجُ من رحمِ الليلِ
​ليقولَ للإنسانِ: لا تَخشَ الطريقَ.
​أنتَ خبزُ الأرملةِ،
​وماءُ الطفلِ الذي لا يعرفُ سوى الدموعِ،
​وأنتَ دفءُ عاشقينِ يستعيدانِ وجهَهُما
​من تحتِ رمادِ الأيامِ.
​ما أنتَ صحيفةٌ ولا كلماتٌ تُقرأ،
​بل أفقٌ يفتحُ ذراعَيهِ كبحرٍ بلا نهايةٍ،
​وصوتٌ يحملُنا، نحنُ المبعثرينَ،
​إلى ميناءٍ تتكئُ فيهِ القلوبُ.
​أيُّها القبسُ،
​في حضورِكَ يتعلّمُ الشاعرُ أن يكونَ طفلًا،
​يتعثّرُ بالحروفِ كما يتعثّرُ بالعشبِ،
​ويضحكُ من دهشتِهِ الأولى،
​كأنَّ القصيدةَ هي أمُّهُ التي نسيَها.
​فيكَ تتحوّلُ المعرفةُ إلى غيمةٍ،
​والحكمةُ إلى نايٍ،
​والحبرُ إلى سراجٍ يرافقُ خطواتِنا
​في هذا العالمِ المثقلِ بالتيهِ.
​يا قبسًا من نورٍ،
​أيُّها الساكنُ في مآقي العيونِ،
​منكَ نتعلّمُ أنَّ الحياةَ ليست ساحةَ حربٍ،
​بل حديقةٌ،
​وأنَّ الأرضَ ليست قفصًا،
​بل جناحانِ في الهواءِ.
​نراكَ في وجهِ الغريبِ،
​في حكايةِ الجدّةِ التي ترويَها في المساءِ،
​في صمتِ الأمّهاتِ اللواتي فقدنَ أبناءَهنَّ،
​وفي دمعةِ الفقراءِ وهم يتقاسمونَ الخبزَ.
​كلّما مررتَ،
​تتفتحُ الأبوابُ،
​ويبتسمُ الحجرُ،
​ويعودُ القلبُ أكثرَ إنسانيةً.
​علَّمتنا أنَّ التمرُّدَ صلاةٌ،
​وأنَّ المحبةَ ثورةٌ،
​وأنَّ الحرفَ قد يشبهُ السيفَ،
​لكنَّهُ يختارُ أن يكونَ وردةً.
​فامضِ، أيُّها القبسُ،
​وامتدَّ كأغنيةٍ في الريحِ،
​أطلَّ كفجرٍ في العيونِ المتعبةِ،
​واسقِ أرواحَنا من نورِكَ،
​حتى لا يبقى في الأرضِ
​عطشٌ ولا عتمةٌ،
​ولا إنسانٌ ينسى إنسانيتَهُ.

Share this content:

You May Have Missed