إيثار النفس وكراهية الخير للآخرين

بقلم محمد الدكروري

الحمد لله أنشأ الكون من عدم وعلى العرش استوى، أرسل الرسل وأنزل الكتب تبيانا لطريق النجاة والهدى، أحمده جل شأنه وأشكره على نعم لا حصر لها ولا منتهى،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يرتجى، ولا ند له يبتغى، وأشهد أن نبينا وحبيبنا

محمدا عبد الله ورسوله الحبيب المصطفى والنبي المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه

ومن سار على النهج واقتفى، ثم أما بعد يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير” ولقد نهى الإسلام في سبيل تحقيق ذلك الخلق وتمكينه من النفوس عن كل ما ينطوي على إيثار النفس وكراهية الخير للآخرين

كالحقد والحسد، وإنطوى تشريع المعاملات في الإسلام على تأكيد ذلك الخلق ونبذ ما يضاده

من التصرفات بما يضمن إستقرار المجتمع وشيوع المحبة بين أفراده.
فعلى سبيل المثال لما كان في خطبة المسلم امرأة مخطوبة لآخر إهدار للمشاعر الإنسانية وتقطيع لأواصر الأخوة مع إيثار النفس على الغير شدد النبي صلى الله عليه وآله وسلم

في النهي عن أن يخطب المسلم على خطبة أخيه، وتعددت الروايات الظاهرة في التحريم،

حتى أجمع أهل العلم على تحريم الخطبة على الخطبة إذا كان قد صُرّح للخاطب الأول بالموافقة ولم يأذن ولم يترك خطبة تلك المرأة، فلو خطب آخر على خطبته وتزوج كان عاصيا لله عز وجل، ولمبلغ الحرمة في هذا السلوك إختلف أهل العلم في صحة هذا الزواج، حتى شدد كثير من السادة المالكية في هذه الحالة وقالوا بفسخ عقد زواج

ذلك الخاطب ما لم يدخل بتلك المرأة، مما يكشف عن كراهية الإسلام لإيثار النفس والتعدي

على الغير، وهذا المعنى نفسه نلحظه في نهي النبي المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم.
أن يبيع المسلم على بيع أخيه، كأن يعلم أن شخصا إشترى سلعة وله حق الرجوع فيها

فيقول له رُدّها للبائع وأنا أبيع لك مثلها أو خيرا منها بثمن أنقص، ويتعاقد معه على ذلك،

ومثل البيع على البيع في الحرمة الشراء على الشراء، وذلك بأن يطمع المسلم في شيء

إشتراه غيره وعقد عليه بالفعل، فيعرض على البائع أن يفسخ العقد مع المشتري الأول

ليشتريها هو منه،

بل إن الإسلام حرم على المسلم أن يحاول أخذ الصفقة لنفسه في حالة ما إذا علم أن البائع والمشتري اتفقا على الثمن واطمأن كل منهما لإتمام البيع ولم يتم التعاقد بعد، ولا يخفى ما في ذلك كله من إيثار النفس وإهدار المشاعر، ومن ثم إتفق أهل العلم على تحريمه، وإختلفوا في صحة التعاقد مع هذا الذي آثر نفسه وتعدى على غيره مع الاتفاق على عصيانه، وإن النهي عن هذه السلوكيات ليعكس حرص الإسلام.
على أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه من المنافع، وأن يكره أن يفعل هو أو غيره بأخيه ما يجلب له الضرر كما يكره هذا لنفسه، وفي هذا ما لا يخفى من ترسيخ دعائم الأمان النفسي والحفاظ على الاستقرار المجتمعي، حيث روى الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” ولقد ربى الإسلام أبناءه على إستشعار أنهم كيان واحد، أمة واحدة، جسد واحد، حيث يقول الله تعالي ” إنما المؤمنون أخوة ” وكما يقول الله تعالى ” إن هذه أمتكم أمة واحدة ” أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أكد هذا المعنى وشدد عليه حين قال “المسلم أخو المسلم” وكما قال صلى الله عليه وسلم “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا” وكما قال صلى الله عليه وسلم “مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر”

Share this content:

You May Have Missed