الصدقة للسائل والمحروم

 

بقلم /فاتن احمد

 

إن العاقل الموفق من يملأ كل لحظة وثانية من حاضر عمره ووقته بفائدة أو عمل صالح، وقد كره سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إضاعة الزمن فقال إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا أي فارغا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة” وهناك مقال بعنوان أوقات الفراغ فيه “ولست أريد من المحافظة على الزمن أن يملأ كله بالعمل، وأن تكون الحياة كلها جدا ودأبا، لا راحة فيها ولا مرح، وأن تكون عابسة لا ضحك فيها ولا بشر، وإنما أريد ألا تكون أوقات الفراغ طاغية على أوقات العمل، وألا تكون أوقات الفراغ هي صميم الحياة وأوقات العمل على حاشيتها وطرفها، بل أريد أكثر من ذلك أن تكون أوقات الفراغ خاضعة لحكم العقل كأوقات العمل، فإننا في العمل نعمل لغاية، فيجب أن تصرف أوقات الفراغ لغاية كذلك، إما لفائدة صحية كالألعاب الرياضية المشروعة، وإما للذة نفسية كالمطالعات العلمية.

 

وإما لغذاء روحي كالقيام بقراءة القرآن والحديث الشريف ونوافل الطاعات والعبادات، أما أن تكون الغاية هي قتل الوقت، فليست غاية مشروعة، لأن الوقت هو الحياة، فقتل الوقت قتل الحياة، ففي إستطاعة أغلب الناس إذا قويت إرادتهم أن يقسموا أوقات فراغهم إلى ما ينفعهم صحيّا، وإلى ما ينفعهم عقليّا، وإلى ما ينفعهم دينيا، وإن من صفات أخلاق المتقين العظيمة هو التهجد بالليل والاستغفار في السحر والصدقة للسائل والمحروم وهو الفقير، وقال الله تعالى كما جاء في سورة الحديد ” آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير” وهذه أيضا من أخلاقهم العظيمة وهو الإنفاق مما جعلهم الله مستخلفين فيه حسب الطاقة، وقد وعدهم الله على ذلك بالأجر الكبير، ويقول سبحانه في سورة الملك ” إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير”

 

فالخشية لله أمرها عظيم وعاقبتها حميدة ويقول النبي صلى الله عليه وسلم “أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له” فلا بد من خوف الله وخشيته مع رجائه وحسن الظن به في جميع الأحوال حتى يؤدي المؤمن والمؤمنة ما أوجب الله ويدع ما حرم الله عن إيمان بالله سبحانه وخوف منه ورجاء لفضله، وهذه الصفات من أعظم الأخلاق وأهمها وأنفعها للعبد في دينه ودنياه، وهي أن يخشى الله ويراقبه ويرجو فضله وإحسانه مع القيام بحقه وترك معصيته أينما كان ولقد صدق من قال وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا، فالأخلاق التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها هي أسباب سعادة الأمة ورقيها وبقاء حكمها ودولتها ، ويقول آخر، وليس بعامر بنيان قوم إذا أخلاقهم كانت خرابا، فكأن مكارم الأخلاق بناء شيده الأنبياء، وبعث النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ليتم هذا البناء.

 

فيكتمل صرح مكارم الأخلاق ببِعثته صلى الله عليه وسلم ولأن الدين بغير خلق كمحكمة بغير قاض، كذلك فإن الأخلاق بغير دِين عبث، والمتأمل في حال الأمة اليوم يجد أن أَزمتها أزمة أخلاقية، وإن الخلق فى اللغة هو السجية والطبع والدين، وهو صورة الإنسان الباطنية، أما صورة الإنسان الظاهرة فهي الخُلق لذلك كان من دعاء النبى صلى الله عليه وسلم” واهدني لأحسنِ الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيِئها إلا أنت” رواه مسلمن ويوصف المرء بأنه حسن الظاهر والباطن إذا كان حسن الخلق والخُلق، والخُلق هو عبارة عن هيئة في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويُسر، من غير حاجة إلى فكر ولا روية، وهذه الهيئة إما أن تصدر عنها أفعال محمودة، وإما أن تصدر عنها أفعال مذمومة، فإن كانت الأولى، كان الخُلق حسنا.

 

وإن كانت الثانية، كان الخُلق سيئا، وإن هناك فرق بين الخُلق والتخلق إذ أن التخلق هو التكلف والتصنع، وهو لا يدوم طويلا، بل يرجع إلى الأصل، والسلوك المتكلف لا يسمى خُلقا حتى يصير عادة وحالة للنفس راسخة، يصدر عن صاحبه في يسر وسهولة، فالذي يصدق مرة لا يوصف بأن خُلقه الصدق، ومن يكذب مرة لا يقال إن خلقه الكذب، بل العبرة بالاستمرار في الفعل، حتى يصير طابعا عاما في سلوكه، وهكذا فإن الاخلاق هي عنوان الشعوب، وقد نادت بها الأديان المختلفة، فهي ميزة مهمة وأساس كل حضارة تتميز بها عن غيرها من الحضارات، ووسيلة للمعاملة بين الناس، ولذلك قال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” فمن خلال هذا الحديث الشريف يؤكد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

 

على أن السبب والغاية من بعثته أنه يريد أن يتمم مكارم الأخلاق على أمته الإسلامية، وذلك لأن التحلي بالأخلاق الحسنة والتمسك بها يفتح الطريق أمام الإنسان للسعادة والهناء والرضا في ال

دنيا والآخرة.

Share this content:

You May Have Missed