إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم
بقلم محمد الدكروري
إن الله عز وجل هو الحي القيوم، والحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال،
ولا يمكن أن يكون في علم الله ما يخالف الحقيقة، فعلم الله محيط بالأمس واليوم والغد بالظاهر والباطن بالدنيا والآخرة، فقد يعرف الإنسان شيئا عن حاضره وقد يذكر طرفا من ماضيه وما وراء ذلك، ولكن الواحد منا جاهل بمستقبله لا يعلم ما يغيب له بعد دقيقة أو ثانية،
لكن الله وحده يحصي أعمالنا الماضية ساعة ساعة، ويسجل أحوال العالم الغابر دولة دولة، وحادثة حادثة، فإنه علم يشرق على كل شيء، فيجلي بواطنه وخوافيه،
ويكشف بداياته ونهاياته، يحيط بذاته وصفاته، فالشهود والغيب لديه سواء، والقريب والبعيد والقاصي والداني لديه سواء، فعلم الله تعالي يشرف على كل شيء إشرافا تاما،
ويهيمن على أطوار الموجودات ما يحس منها وما يتوهم، كل ذلك بعلم الله عز وجل،
فعدد ما في صحاري الأرض من رمال.
وما في بحار الدنيا من قطرات، وما في الأشجار من ورقات، وما في الأغصان من ثمار،
وما في السنابل من حبوب، وما في الجبال من صخرات، وما في الصخور من ذرات،
وما في رءوس البشر وجلودهم من شعر، ثم ما يمكن أن يطرأ على هذه الأعداد الكثيرة من أحوال شتى مما تحتاج إليه في وجودها من قوى متجددة، وما يعتريها من أوصاف متغايرة،
كل ذلك يحيط به علم الله سبحانه وتعالي، ولقد جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقا يخطب أصحابه في الحج فنظر فإذا بين يديه أكثر من مائة ألف صحابي فيهم الكبير والصغير، الغني والفقير العربي والأعجمي الحر والعبد الأسود والأبيض فخطب بهم صلى الله عليه وسلم وقال ” إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت اللهم فاشهد”
وقصد بأعراضكم إما أن تعتدي عليهم بالفاحشة أو أن تعتدي بالكلام غيبه أو إستهزاء أو سخرية أو تنابز بالألقاب، وصح عند الإمام أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال “لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم قلت من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم” وهكذا فإن أذية المؤمن ظلم، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وإن من الأذى ما لا تكفره الصلاة، ولا الصدقة، ولا الصوم، بل لا يُغفر للظالم حتى يغفر له المظلوم، وهيهات أن يعفو المظلوم يوم تتطاير الصحف وتعز الحسنات فكم من عابد لله تعالى يصوم النهار ويقوم الليل وينفق القليل والكثير إلا انه يؤذى الناس بقوله أو فعله، فحبط عمله وضاع أجره، ولما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم حال المرأة وذكر له من صلاتها وصيامها وعبادتها قالوا يا رسول الله هذه إمرأة صالحه،
قيام ليل وصيام نهار وعبادات وتبتل وقراءة قران، وبكاء من خشية الله، فما في أصلح منها ما شاء الله عليها يا رسول الله هذه فلانه تصلي وتصوم وتتصدق وتفعل وتفعل قالوا يا رسول الله غير إنها تؤذي جيرانها بلسانها تغتاب تسب تصرخ تتكلم عليهم تشتمهم فبعد عباده وصلاه وصيام وقيام ليل وبكاء خشوع وصدقه غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها فماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل قال حسناتها تذهب سيئاتها وهي قد بلغت درجه عظيمه إن شاء الله رب العالمين يتجاوز عنها لا، ولكن تدري ماذا قال عنها ؟ قال صلى الله عليه وسلم وحكم عليها هي في النار” ومن العواصم من القواصم صدق اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء والتعوذ بالله من الفتن فالله تعالى فهو ملاذ المسلم في كل حال وحين فكيف في أزمان الفتن فلا حول ولا قوة للعبد إلا بالله، فهو المثبت والمعين، ولولاه ما رفع المسلم قدما.
ولا وضع أخرى، ولا ثبت على الخير لحظة واحدة، فاللجوء إلى الله تعالي بالدعاء من أهم الأسباب، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عظيم الشعور بالافتقار إلى ربه، كان يكثر في دعائه أن يقول ” يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ” وكان صلى الله عليه وسلم يكثر الاستعاذة من الفتن، ويدعو أصحابه لذلك ” تعوذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن ” رواه مسلم من حديث زيد بن ثابت، وكان عليه الصلاة والسلام يقول ” اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون” فأسال الله عز وجل أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح وأن يفتح علينا جميعا وأن يجعلنا مفاتيح خير، وأن يجعل لنا أثرا عظيما في الأمة كل بحسب علمه وحسب إستطاعته.
ومن سلك طريق العلا وترقى في مدارج الأعمال العظيمة فإن الله سيفتح عليه إن شاء الله تعالى، وأسال الله تعالى أن يفتح علينا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
Share this content:


