عندما يُستبدل النيل بسراب الحبشة
بقلم عصران الراوي
في لحظات التحول الكبرى لا تُقرأ السياسة من نصوص الاتفاقات بل من توقيت التوقيع عليها فالتاريخ لا يسجل ما كُتب بالحبر بل ما قيل بين السطور ومن هذا المنطق يصبح تفعيل الاتفاق العسكري بين المغرب وإثيوبيا في ذروة الأزمة المائية بين القاهرة وأديس أبابا خطوة تتجاوز حدود التعاون الدفاعي إلى رسالة سياسية كاملة الأبعاد تعيد رسم خطوط الاصطفاف في الإقليم
الأزمة حول مياه النيل لم تعد ملف تفاوض عادي بل قضية وجود بالنسبة للدولة المصرية نهر يمثل شريان حياة لأكثر من مئة مليون إنسان وأي اقتراب من هذا الملف هو اقتراب من الأمن القومي المصري ذاته لذلك فإن اختيار الرباط هذا التوقيت لعقد شراكة عسكرية مع الطرف الأكثر تصادما مع المصالح المصرية في إفريقيا لا يمكن عزله عن سياقه ولا تبريره بالصدفة الدبلوماسية
الرسالة واضحة حتى وإن لم تُعلن حين تُصافح يد من يضغط على عنق النيل فإن القاهرة ستقرأ ذلك جيدا فالدول لا تُقاس فقط بما تفعل بل بمن تختار أن تقف معه في لحظات الاختبار
المفارقة أن مصر لم تتعامل يوما مع قضية الصحراء المغربية كورقة مساومة لم تعترف بالبوليساريو لم تدعم مشاريع التقسيم لم تساير حملات الضغط الدولية ظل موقفها ثابتا يعتبر وحدة الأراضي المغربية جزءا من منظومة الأمن القومي العربي هذا الموقف لم يكن مجاملة سياسية بل التزاما استراتيجيا صمد أمام تغير الحكومات وتعاقب الأزمات
لكن الرباط اليوم تبدو وقد قررت الانتقال من منطق الشراكة العربية إلى منطق البراغماتية المنفلتة مكاسب دبلوماسية حققتها في ملف الصحراء دفعت نحو شعور بتفوق سياسي مؤقت ومن هنا جاء الرهان على التمدد في العمق الإفريقي عبر بوابة أديس أبابا غير أن السياسة التي تنفصل عن الجغرافيا تتحول إلى مغامرة فمن يتجاهل وزن النيل في معادلات المنطقة يكتب قراره خارج كتاب الواقع
قد تحقق الرباط مكاسب اقتصادية أسواق للسلاح اتفاقات تدريب نفوذ متصاعد داخل القرن الإفريقي لكن السؤال الجوهري يبقى ما كلفة خسارة الظهير المصري في العلاقات الدولية لا تُقاس الخسائر الفورية بالأرقام بل بتبدل موازين الثقة ومتى اهتزت الثقة بين العواصم الكبرى يصبح ترميمها أكثر صعوبة من بناء التحالفات نفسها
مصر ليست دولة عابرة في الإقليم ثقلها العسكري والسياسي والتاريخي يجعل موقعها محوريا في أي معادلة عربية إفريقية ومن يختار الاصطفاف مع خصومها في ملف وجودي يضع نفسه تلقائيا في دائرة إعادة التقييم السياسة لا تعرف العواطف لكنها تحفظ الحسابات بدقة صارمة
الرهان على إثيوبيا في لحظة اشتعال أزمة سد النهضة مقامرة ذات كلفة استراتيجية عالية قد تبدو اليوم صفقة رابحة على الورق لكن حين تتغير موازين القوة وتنكشف هشاشة التحالفات المؤقتة سيظهر الفرق بين من بنى علاقاته على عمق التاريخ ومن بنى شراكاته على ظرف سياسي عابر
في النهاية يبقى الدرس ثابتا الحبر يجف الاتفاقات تُعدل المصالح تتبدل لكن الماء لا بديل له ومن يظن أن بإمكانه استبدال النيل بسراب الحبشة سيستيقظ يوما ليجد نفسه في صحراء السياسة القاحلة بلا ماء وبلا أشقاء
Share this content:


