للنفوس مواعيد تطلب آجالها

بقلم محمد الدكروري

إن للنفوس مواعيد تطلب آجالها وللموت تغدو الوالدات سخالها وما نحن إلا كالركب، فمن ذي منهل قصد يبلغه دانيا ومن ذي منزل شحط يلحقه متراخيا، فالله يعلم أن الأعمار مقدرة لآمادها والآجال مؤخرة لميعادها، فلا إستزادة ولا إستنقاص ولا فوات ولا مناص فالآجال آماد مضروبة، وأنفاس محسوبة ولذلك استأثر الله بوجوب البقاء وآثر لخلقه صلة الوجود بالفناء والآجال بيد الله تعالي، فإذا شاء مدها بحكمة وافية وإذا شاء قصرها بلطيفة خافية” وطالما عرف المؤمن ذلك فإنه لا يجبن ولا يخاف لأن أجله بيد الله، وهذه قصة عالم من علماء المسلمين الربانين الذين أيقنوا أن الآجال بيد الله تعالى وحده وهي قصة ” أحمد بن نصر الخزاعي والتي ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية فقال في أحداث سنة إحدى وثلاثين ومائتين وكان فيها مقتل أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله وأكرم مثواه.

وكان سبب ذلك أن هذا الرجل كان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكان الواثق من اشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلا ونهارا، سرا وجهارا، إعتمادا على ما كان عليه أبوه قبله وعمه المأمون من غير دليل ولا برهان ولا حجة ولا بيان ولا سنة ولا قرآن، فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأحضر للمناظرة وحضر القاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شيء مما كان منه في مبايعته العوام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره، بل أعرض عن ذلك كله، وقال له “ما تقول في القرآن ؟” فقال هو كلام الله، قال أمخلوق هو؟ قال هو كلام الله، وكان أحمد قد استقتل وباع نفسه.

وحضر وقد تحنط وتنور وشد على عورته ما يسترها، فقال له ما تقول في ربك، أتراه يوم القيامة؟ فقال يا أمير المؤمنين قد جاء في القرآن والأخبار بذلك، قال تعالى “وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته” فنحن على الخبر” وقال الواثق ويحك أيرى كما يرى المحدود المتجسم ؟ ويحويه مكان ويحصره الناظر؟ أنا أكفر برب هذه صفته، قلت وما قاله الواثق لا يجوز ولا يلزم ولا يرد به هذا الخبر الصحيح والله أعلم، ثم قال أحمد بن نصر للواثق ” وحدثني سفيان بحديث يرفعه أن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الله يقلبه كيف شاء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ” يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك” فقال له إسحاق بن إبراهيم ” ويحك انظر ما تقول ” فقال أنت أمرتني بذلك”

فأشفق إسحاق من ذلك، وقال أنا أمرتك ؟ قال نعم أنت أمرتني أن أنصح له، فقال الواثق لمن حوله ” ما تقولون في هذا الرجل ؟ فأكثروا القول فيه، فقال عبد الرحمن بن إسحاق وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل، وكان موادا لأحمد بن نصر قبل ذلك “يا أمير المؤمنين هو حلال الدم” وقال أبو عبد الله الأرمني صاحب ابن أبي دؤاد “اسقني من دمه يا أمير المؤمنين” فقال الواثق لا بد أن يأتي ما تريد، وقال ابن أبي دؤاد هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل فقال الواثق “إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني احتسب خطاي” ثم نهض بالصمصامة وقد كانت سيفا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته وكانت صحيفة مسحورة في أسفلها مسمورة بمسامير فلما انتهى إليه ضربه بها ضربة على عاتقه وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع.

ثم ضربه أخرى على رأسه، ثم طعنه بالصمصامة في بطنه، فسقط صريعا رحمه الله على النطع ميتا، فإنا لله وإنا إليه راجعون رحمه الله وعفا عنه، وذكر الإمام أحمد بن حنبل يوما فقال “رحمه الله ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له” وقال جعفر بن محمد الصائغ ” بصر ت عيني وإلا فقئتا وسمعت أذناي وإلا فصمتا، أحمد بن نصر الخزاعي حين ضربت عنقه يقول رأسه ” لا إله إلا الله ” وقد سمعه بعض الناس وهو مصلوب على الجذع ورأسه يقرأ ” أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ” قال فاقشعر جلدي، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم.

Share this content:

You May Have Missed