معاني رائعة تاهت في زحمة الحياة
بقلم بقلم محمد الدكروري
قيل أن الأحمر النحوى قال “بعث إليّ الرشيد، لتأديب ولده محمد الأمين، فلما دخلت قال
يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصيّر يدك عليه مبسوطة، وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن، وعرّفه الآثار،
وروّه الأشعار، وعلمه السنن، وبصّره مواقع الكلام وبدأه، وامنعه الضحك إلا في أوقاته،
وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا إليه، ورفع مجالس القوّاد إذا حضروا مجلسه،
ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها، من غير أن تخرق به فتميت ذهنه،
ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقوّمه ما استطعت بالقرب والملاينة،
فإن أباهما، فعليك بالشدة والغلظة” وقال العلامة ابن القيم رحمه الله ” فمن أهمل تعليم ولده
ما ينفعه، وتركه سُدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة،
وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبل الآباء، وإهمالهم لهم.
وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارا، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارا” فإن قراءة كتاب في فقه التربية الإسلامية للأولاد ووضعه في مكتبة البيت،
لن يكلفنا كثيرا من أموالنا وأوقاتنا، واستماع عدة محاضرات في فقه التربية لن يأخذ منا الكثير من أوقاتنا أيضا، في سبيل الوصول إلى فقه تربوي صحيح، وإن مطالعة القرآن وآياته الكريمة، ومطالعة السنة النبوية، وقَصص التربية، زاد كبير،
ورصيد شرعى عظيم لمن أراد التوفيق والهداية، فلقد كان الناس وما زالوا يستبشرون ويتفاخرون بكثرة الأبناء ويراودهم حلم بأن يرزقهم الله ذرية طيبة حسني الخلق والخلقة،
يتحلون بعقيدة سليمة صلبة، وعبادة خاشعة وخلق أصيل وبعقول متفتحة واعية ونفسيات مستقرة وأجسام قوية ومعرفة بواقع الحياة وظروف العصر وبنفس تفيض خيرا وطهرا وعطاء فهل يحقق الأبناء ذلك ؟
وإعلموا يا عباد الله أن بعض المعاني الرائعة قد تاهت وانزوت منا في زحمة الحياة لتخلفها سمات ونعوت برزت كرؤس الشياطين، وها هي السلبية المميتة لكل معنى نبيل أضحت سيدة كثير من المواقف التي تعرض للمارة في الطريق وتستدعي همة المروءة والشهامه وإغاثة الملهوف ولسنا غرباء عن بعضنا فهذا الدين العظيم يجمعنا ويؤلف بين أشتاتنا،
وإلا فالوطنية الضامة لكل أبناء الوطن الواحد بالميزان العادل بين الحق والواجب،
وكما أن هناك حالات لا تفتقر إلى بطاقة دعوة من الملهوفين ضد من يؤذي أو يضرب أو يسئ إلى الناس،
وإنما يحتاج الأمر إلى عين صقر يراها على حقيقتها ويتصرف معها سراعا بما يمليه عليه ضميره من كلام أو نصح أو أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر أو عطاء لمحتاج أو نجدة لمريض أو مكروب، ألا فلنكن أمانا على بعضنا وغوثا من كل ما يحيق بنا.
ولنكن يقظة سامعة لصرخة مكلوم أو أنّة مريض أو زفرة محتاج ولنكن مواسين للجراح خفافا في نجدة العاني ومن تردت به أحوال الحياة على شتى الصور، فهكذا يكون أفراد المجتمع وهم يعبرون عن صدق إيمانهم على أساس ديني، وقد جربت البشرية جميع أسباب العطاء وإغاثة الملهوف وصنائع المعروف فوجدناها غثاء وهباء، لا تقوم لها على الحقيقة في ذرا المجد قائمة لكونها على غير أساس الدين قامت ولكنها وجدت من يحميها ويحسن تسويقها بين الناس، ومن الإحسان والصدق والإنصاف وعدم الإرجاف أن نبني حضارتنا في ميدان السلوك على أساس القرآن والسنة فهما الركن الأوفي لكل خير وسلامة في الدنيا والآخرة، ولقد أمرنا الله عز وجل ورسوله الكريم صلي الله عليه وسلم، بأن نرحم الفقراء ونمد لهم يد العون، وفي صحيح مسلم، لما رحم الصحابة قوم مضر وتصدقوا عليهم.
بعدما رأوا ما بهم من أثر الفاقة تهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه مُذهبة وفرح بذلك، وكذلك فإن للبهائم من الرحمة لنصيب، فرحمتها جالبة لرحمة الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” والشاة إن رحمتها رحمك الله ” رواه أحمد، وبالجملة فقد قال صلى الله عليه وسلم ” ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” رواه الترمذي وأبو داود، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم” قالوا كلنا يرحم، قال ” ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة” وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس فقال الأقرعُ إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ” من لا يرحم لا يُرحم “
Share this content:


