بين روايتين: هل تحوّل ملف “الطيارين الأمريكيين” في إيران إلى أداة دعاية سياسية

كتبت علياء الهواري

غازي فخري يفكك المشهد ويكشف التناقضات
في لحظة إقليمية تتسم بالتوتر والتشابك، حيث تختلط الوقائع بالمواقف، وتتصاعد فيه حدة الخطاب السياسي إلى مستويات غير مسبوقة، يبرز ملف “الطيارين الأمريكيين المفقودين في إيران” كواحد من أكثر القضايا إثارة للجدل، ليس فقط من حيث مضمونه، بل من حيث طريقة توظيفه في الصراع الإعلامي بين واشنطن وطهران.

في هذا السياق، قدّم المستشار الثقافي الفلسطيني الأسبق غازي فخري قراءة مختلفة للمشهد، كاشفًا عن فجوة واضحة بين ما يُقال في التصريحات الرسمية، وما يمكن إثباته على أرض الواقع. فخري، الذي تحدث في تصريح خاص، نفى بشكل قاطع صحة الرواية التي روّج لها الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب بشأن العثور على طيارين أمريكيين داخل إيران،

معتبرًا أن ما جرى تداوله “لا يتجاوز كونه جزءًا من خطاب سياسي يبحث عن التأثير أكثر من الحقيقة”.
يرى فخري أن هذه الرواية تندرج ضمن ما وصفه بـ”صناعة الانتصارات الإعلامية”،

وهي آلية دأبت بعض القيادات السياسية على استخدامها، خصوصًا في أوقات الأزمات أو التراجع الشعبي،

حيث يتم تضخيم أحداث غير مؤكدة أو تقديمها في سياق يخدم أهدافًا سياسية محددة.

ويضيف أن “الخطورة لا تكمن فقط في إطلاق مثل هذه التصريحات،

بل في تأثيرها على الرأي العام، الذي قد يجد نفسه أمام سيل من المعلومات المتناقضة،

دون القدرة على التحقق من صحتها”.

وفي المقابل، أشار فخري إلى أن الموقف الإيراني في هذا الملف اتسم بدرجة من الوضوح، مستشهدًا بمطالبة طهران بخروج هؤلاء الطيارين – في حال وجودهم – في مؤتمر صحفي علني، كدليل مادي على صحة الرواية الأمريكية. غير أن هذا الطلب، وفقًا له،

لم يجد استجابة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مصداقية الادعاءات التي تم الترويج لها.

هذا التناقض، بحسب فخري، لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، والذي لم يعد يقتصر على المواجهة العسكرية أو السياسية المباشرة، بل امتد ليشمل ساحة الإعلام والرواية. “نحن أمام حرب روايات بامتياز”، يقول فخري،

موضحًا أن كل طرف يسعى لفرض سرديته باعتبارها الحقيقة، حتى وإن افتقرت إلى الأدلة الكافية.
ويحذر من أن استخدام مثل هذه القضايا الحساسة في إطار الدعاية السياسية قد يؤدي

إلى نتائج عكسية، ليس فقط على مستوى الثقة بين الشعوب والحكومات،

بل أيضًا على مستوى استقرار المنطقة. فحين تتحول المعلومات إلى أدوات في الصراع،

تصبح الحقيقة نفسها ضحية، ويصبح من الصعب على المتابعين التمييز بين ما هو واقعي

وما هو مُصنّع.
كما لفت فخري إلى أن تكرار هذا النمط من الخطاب يعكس أزمة أعمق في بنية الخطاب السياسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، حيث تُستخدم قضايا معقدة ومتشابكة كوسائل لتحقيق مكاسب سريعة، دون النظر إلى تداعياتها طويلة المدى.

وفي ختام حديثه، شدد فخري على أن المرحلة الحالية تتطلب قدرًا أكبر من المسؤولية في نقل المعلومات وتداولها، مؤكدًا أن “المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على الأرض،

بل في الوعي الجمعي”، وأن “من يمتلك الدليل والقدرة على تقديم رواية متماسكة ومدعومة بالحقائق، هو من سيكسب في النهاية، وليس من يرفع سقف التصريحات دون سند”.

Share this content:

You May Have Missed