محل الغش والخداع والربا والأيمان الكاذبة
بقلم محمد الدكروري
لنعلم جميعا أن دخول السوق لحاجة من شراء أو بيع أو تجارة فهذا أمر لا كراهة فيه،
وأما لغير حاجة فيكره لأن الداخل إليها لا يسلم من رؤية منكر أو سماعه، واعلموا أن أحب البلاد إلى رب العباد المساجد حيث الراكع والساجد وأبغض البلاد الأسواق لما فيها من سخط ولغط
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها” وذلك لأنها محل الغش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه،
والمساجد محل نزول الرحمة، والأسواق ضدها، ولأن المساجد يذكر فيه اسم الله تعالى، والأسواق قد غلب عليها اللغط واللهو والاشتغال بجمع المال، والتكالب على الدنيا من الوجه المباح وغيره، وأما إذا ذكر الله في السوق فهو من أفضل الأعمال، وهذا ما يدل على كراهة
دخول الأسواق، لا سيما في هذه الأزمان.
التي يخالط فيها الرجال النساء، ولقد كان المسلمون في عصورهم الأولى لا يعرفون إحتفالا خاصا يقام بقصد إحياء ذكرى الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يرون أن عظمته ليست من جنس هذه العظمات التي يألفها الناس في أفذاذهم ورجالهم، والتي يخلعها الزمن على بعض الناس
في بعض نواحي الحياة، فلم تكن عظمته صلى الله عليه وسلم من جنس هذه العظمات المحدودة في نوعها، والمحدودة في أمدها، ولم تكن من جنس هذه العظمات التي يخشى عليها من الضياع والتلاشي في بطون الأزمان والأيام فيحتاج بقاؤها في أذهان الناس إلى مذكر،
فكانوا يعرفون أن عظمته صلى الله عليه وسلم ليست من جنس هذه العظمات،
وإنما هي العظمة الخالدة التي ينبغي أن تكون دائما قارّة في النفوس، ماثلة في القلوب، ممتزجة بالدماء، مؤاخية للعقيدة، لذلك كانت هذه العظمة المحمدية ظاهرة في قولهم إذا نطقوا.
في حركتهم إذا تحركوا، في سكونهم إذا سكنوا، في جميع شئونهم الفردية والاجتماعية،
السرية والعلنية، الدنيوية والأخروية، فهي عظمة قد رسمت لهم باطن الحياة وظاهرها،
وحدودها ودوائرها، لم تقف عند ناحية من نواحي الحياة،
بل لم تفق عند حدود هذه الحياة الفانية، فشملت جميع نواحي الحياة وامتدت إلى الحياة الآخرة فكشفت لهم عن حجب غيبها، وصورت لهم ما يكون للمحسن فيها من نعيم، وما يكون للمسيء فيها من شقاء، ولقد قال علماؤنا، لما كثر الباطل في الأسواق وظهرت فيها المنكرات،
كره دخولها لأرباب الفضل والمقتدى بهم في الدين، تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها، فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده،
وأنه إن أقام هناك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته وبليته، وإن أسواق الأخرة تلك هي البحار الزاخرة بالأرباح وبالنجاح.
وبالفلاح الربح فيها مضمون والتجارة فيها لن تبور الداخل إليها كسبان والمتجول فالتجارة فيها
مع الغني الحميد مع الرزاق المجيد،
فإنه تاجر مع الله فإنه وحده الذي يشتريك بأغلى الأثمان، فقال تعالى “إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة” فانه تعالى يعطيك الحسنة بعشرة أمثالها
إلى سبعمائة ضعف، فقال الله تعالى “من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون” فإن الله عز وجل اشترى شربة ماء لكلب بالجنة،
وإنه سبحانه يحب كلمات لسانك ودمعة عينك وقطرة دمك وأثر رجلك على الأرض، وانه يناديك في الثلث الأخير من كل ليلة لتتاجر معه، وإن في تلك الأسواق جنة عالية قطوفها دانية، وقد قال محمد بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما إن الله عز وجل قد جعل لأنفسكم ثمنا وهو الجنة فلا ترتضوا لأنفسكم ثمنا غيرها، وكما أن لأسواق الدنيا أزمنة وأمكنة فكذلك لأسواق الأخرة أزمنة.
وأمكنة فيها توجد البضائع وفيها يربح المؤمنون الأرباح الكبيرة الوفيرة، فإنه لم تكن عظمة رسول الله محمد صلي الله عليه وسلم عند الصحابة الكرام هي بإنتصار في معركة، ولا برأي في علم، ولا بإختراع في صلاح، ولا بنظرية في أرض ولا سماء، وإنما كانت عظمة عامة وشاملة، بهذا آمن المسلمون في عصورهم الأولى يوم كان الإيمان قويا في النفوس، تشتعل جذوته فتلتهب الجوارح، وتبذل الأنفس، ويضحى بالأرواح في ترسّم خطى تلك العظمة والجد في معرفتها، ونشرها على العالم مهذبة نقية حتى تحيا بها النفوس وتطمئن إليها القلوب، وبذلك كانت جميع أيامهم وجميع أوقاتهم ذكرى عملية لهذه العظمة، ذكرى عملية يتمثلون فيها مبادئه وأحكامه وإرشاداته الحكيمة ويسيرون على نهجها، فكانت حالتهم مثالا صادقا ومرآة صافية تُرى منها عظمة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن الأمر بحاجة إلى مذكر بعظمة هم فيها سابحون، وبنورها مهتدون، فكانوا يرون النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أعظم قدرا وأجل شأنا من أن يكرّم كما يكرّم آحاد الناس بخطبة تلقى أو حديث يذاع، أو فصل يكتب.
Share this content:


