لست وحدك في ساحة الإبتلاء
بقلممحمد الدكروري
عليك أيها المكروب أن تذكرر بأن هناك خلقا غيرك ممن حلت بهم المصائب، فلست وحدك في ساحة الإبتلاء بل لا أبالغ إذا قلت إنه لا يوجد أحد إلا ولديه ما يهمه ويحزنه، فإن الدار التي ليس فيها كدر ولا حزن هي الجنة جعلني الله وإياك من أهلها نعم تلك المحلة التي يكون فيها النعيم والسرور سرمديا أبديا لا يحول ولا يزول، وأهلها في فرح دائم ومتعة باقية فاصبر وصابر لها واحصد ما استطعت من الحسنات فلعلك أن تظفر بها وتكون من أهلها، فلم يكن الأنبياء عليهم السلام ومعهم الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين في بعدا عن العمل، فكان أبو البشر آدم عليه السلام فلاحا، يحرث الأرض ويزرع بنفسه، وكان نبي الله إدريس عليه السلام خيّاطا، وكان نبي الله نوح عليه السلام نجّارا وخليل الله إبراهيم عليه السلام بناءا، وهو الذي بنى الكعبة الشريفة وعاونه في عملية البناء ولده نبي الله إسماعيل عليه السلام.
وكان نبي الله إلياس عليه السلام نسّاجا، وكان نبي الله عيسى عليه السلام يعمل بالطب، وقيل كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه في عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق، زمن خلافة أبي بكر الصديق رضى الله عنه وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة، أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي بن أرطاة وهو أمير البصرة، انظر من عندك من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال ما أنصفناك.
أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك، قال ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه، وإن فريضة الصيام هي مساواة ومواساة، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته” ويقول الله تعالى فى سورة البقرة ” فمن شهد منكم الشهر فليصمه” ويقول ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، وإن غمّ عليكم فأتموا الثلاثين” أي إن الناس جميعهم يفطرون في وقت واحد، ويمسكون في وقت واحد، الفقير والغني، والضعيف والقوي، والأبيض والأسود، والحاكم والمحكوم، والرئيس والمرؤوس، طالما يدينون بالإسلام وينوون الصيام، فهم في وقت الإفطار والإمساك سواء، وفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر بنفس القدر على الفقير والغني، الضعيف والقوي، الخفير والوزير، الكبير والصغير، الأبيض والأسود، وفي ذلك أيضا مساواة.
إذن فالصوم مساواة، والصوم أيضا مواساة، والمواساة معناها الوقوف بجوار الفقير والمسكين، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، ولين الكلام، فضلا على إفطار الصائم، وإكرام المسكين، وإعطاء الفقير، فطوبى لمن واسى مكلوما، ونصر مظلوما، وأطعم أفواها، وكسا أجسادا، ووصل أرحاما، وجعل يده ممرا لعطاء الله تعالي، ولقد بيّن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه فضائل خصها الله عز وجل بالصائمين في رمضان، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أهلّ رمضان يقول “لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان” وجعلت زكاة الفطر مواساة للفقير والمسكين، فقد فرضت على كل مسلم ومسلمة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان” وإن لها حكمتان، فالأولى لتطهير الصائم من اللغو والرفث الذي وقع منه في أثناء شهر رمضان.
والثانية لإطعام المساكين ومواساتهم في العيد، ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين” رواه أبو داود، وكذلك لتغنيهم عن السؤال يوم العيد، بذلك يكون الصوم مساواة بين أفراد الأمة جميعا في الإفطار والإمساك، ومواساة للفقير والمسكين، وكما حدث في الأيام الصعبة الماضية التي تبدلت فيها مظاهر وتغيرت عما كانت عليه من قبل فقد أغلقت فيها المساجد لفترة كبيرة، وقيدت الحركة، وأوقفت فيها المواصلات، وقلت الزيارات وكثرت الوفيات بسبب الوباء القاتل والفتاك المسمى كورونا، ندعوا الله تعالي أن لا يرده إلينا مرة ثانية، وقد وقف العالم عاجزا لفترة طويلة أمام هذا الداء والوباء، فحصد أرواحا وأرواحا، وضحاياه بالمئات والآلاف صغارا وكبارا من نساء ورجال شيوخ وعجائز.
وقد سمي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطاعون فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد” رواه البخاري.
Share this content:


