الحافظ ابن سيد الناس مع أمراء المماليك

بقلم محمد الدكروري

ذكرت المصادر التاريخية وكما جاء في كتب الفقه الإسلامي الكثير والكثير عن علماء الإسلام وأئمة المسلمين وكان من بين هؤلاء الأئمة هو الإمام إبن سيد الناس، وقيل أنه كان الإمام ابن سيد الناس يخالط أمراء المماليك، وبخاصة الصالحين من أهل العلم منهم، ولعل أكبرهم هو الأمير علم الدين الدواداري، والذي كان مهيبا، حسن الخَلق والخُلق، عالما فاضلا، حافظا لكتاب الله، دارسا للفقه، وحصل له عناية بالحديث، فسمع الكثير، وكتب بخطه، وحصّل الأصول، وكان إذا خرج إلى غزوة خرج وإلى جانبه شخص يقرأ عليه جزءا فيه أحاديث الجهاد، وكان الشيخ فتح الدين خصيصا به ينام عنده ويسامره، وكان سبب اختصاص فتح الدين به أن الأمير سأل الحافظ المحدث شرف الدين الدمياطي عن وفاة البخاري.

فما استحضر تأريخها، ثم إنه سأل فتح الدين عن ذلك فأجابه فحظي عنده وقرّبه، فقيل له إن هذا تلميذ الشيخ شرف الدين، فقال وليكن، وكان ابن سيد الناس على علاقة طيبة بالأمير الكبير أرغون بن عبد الله الناصري نائب السلطنة في مصر، ثم نائب حلب، المتوفى بها سنة سبعمائة وواحد وثلاثون للهجرة، وله من العمر بضع وأربعون سنة، وكان عالما بالفقه خطاطا متقنا، وكان جمّاعة للكتب، جمع منها جمعا ما جمعه أحد من أبناء جنسه، وعلم الناس رغبته في الكتب فهرعوا إليه بها، وبلغ الأمير أرغون مرتبة الإفتاء في المذهب الحنفي، قال عنه ابن سيد الناس كان أرغون يعرف مذهب أبي حنيفة ودقائقه، ويقصر فهمه في الحساب إلى الغاية، وكان الأمير معجبا بالشيخ ابن سيد الناس يسعى في مصالحه لدى الدولة.

والتقى بابن سيد الناس القاضي أبو البقاء البلوي، خالد بن عيسى، المتوفى بعد سنة سبعمائة وسبعة وستون للهجرة، في رحلته من الأندلس إلى المشرق، وروى عنه بيتين في كتابه تاج المفرق في تحلية علماء المشرق، هما “بالله إن جزت بواد الأراك، وقبلت عيدانه الخضر فاك، فابعث إلى المملوك من بعضها، فإنني والله مالي سواك” وسمع ابن سيد الناس كذلك على قطب الدين القسطلاني، وشيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة إلى أن توفي، وعلى عز الدين الحراني، عبد العزيز بن عبد المنعم، مسند الديار المصرية، ودرس ابن سيد الناس النحو على الشيخ الأمام العلامة الحجة بهاء الدين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم ابن النحاس، شيخ العربية بالديار المصرية، وأتقن أبوالفتح ابن سيد الناس كتابة الخط العربي.

على القاعدة المغربية والمشرقية، وذلك دون أن يأخذه عن أحد، قال تلميذه الصفدي ولم أر فيمن عاصرته مَن كتب النسخ وخرّج التخاريج والحواشي أحلى ولا أظرف ولا آنق من الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، وكان خطه أبهج من حدائق الأزهار، وآنق من صفحات الخدود المطرز وردها بآس العذار، سريع الكتابة، كتب ختمة في جمعة، وكان يكتب السيرة التي له في عشرين يوما وهي مجلدان كبيران.

Share this content:

You May Have Missed