دمشق في زمن أبو محمد السلمي

 

بقلم محمد الدكروري

ذكرت المصادر الإسلامية التاريخية الكثير والكثير عن الإمام العز إبن عبد السلام وهو أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام

بن أبي القاسم بن حسن السلمي الشافعي، وقيل أنه كانت دمشق في زمن العز بن عبد السلام حاضرة العلم والعلماء منذ العصر الأموي، يقطنها العلماء من كافة الفنون، ويجتمع فيها أئمة العلم البارعون، ويقصدها الطلبة من كافة الأصقاع،

وكان المسجد الأموي جامعة للعلوم والطلاب والعلماء، ويظهر من سيرة العز بن عبد السلام أنه عاش في أسرة فقيرة مغمورة، فلا يوجد ذكر صريح لأبيه وأمه، أو أجداده وأعمامه وأخواله، أو أي شيء عن مراحل طفولته، وكل ما تذكره المصادر أنه ابتدأ العلم في سن متأخرة، يقول ابن السبكي عن والده سمعت الشيخ الإمام يقول.
كان الشيخ عز الدين في أول أمره فقيرا جدا، ولم يشتغل إلا عندما تقدم في العمر أي في العلم، وسبب ذلك أنه كان يبيت في الكلاسة وهي الزاوية والبناء والمدرسة عند الباب الشمالي للجامع الأموي، من جامع دمشق، فبات بها ليلة ذات برد شديد، فاحتلم، فقام مسرعا ونزل في بِركة الكلاسة، فحصل له ألم شديد من البرد، وعاد فنام، فاحتلم ثانيا، فعاد إلى البركة لأن أبواب الجامع كانت مغلقة، وهو لا يمكنه الخروج، فطلع فأغمي عليه من شدة البرد، وقال السبكي أنا أشك، هل كان الشيخ الإمام يحكي أن هذا اتفق له ثلاث مرات أو مرتين فقط، ثم سمع النداء في المرة الأخيرة يا ابن عبد السلام، أتريد العلم أم العمل؟ فقال الشيخ عز الدين العلم لأنه يهدي إلى العمل، فأصبح، وأخذ التنبيه، فحفظه في مدة يسيرة.
وأقبل على العلم، فكان أعلم أهل زمانه، ومن أعبد خلق الله تعالى، وتوجه العز إلى طلب العلم بجد واجتهاد وهمة عالية ليُعوض ما فاته في المدة السابقة من طفولته وصباه، فقصد العلماء وجلس في حلقاتهم، ينهل من علومهم، ويكب على الدراسة والحفظ، والفهم والاستيعاب، حتى حفظ التنبيه، في فينة قصيرة، واجتاز العلوم بمدة يسيرة، وهو ما تحدث به عن نفسه فقال ما احتجت في علم العلوم إلى أن أكمله على الشيخ الذي أقرأ عليه، وما توسطته على شيخ من المشايخ الذين كنت أقرأ عليهم إلا وقال لي الشيخ قد استغنيت عني فاشتغل مع نفسك، ولم أقنع بذلك، بل لا أبرح حتى أكمل الكتاب الذي أقرؤه في ذلك العلم، وكان يقول مضت لي ثلاثون سنة لا أنام حتى أمر أبواب الأحكام على خاطري.
وجمع العز في تحصيله بين العلوم الشرعية والعلوم العربية، فدرس التفسير وعلوم القرآن، والفقه وأصوله، والحديث وعلومه، واللغة والتصوف، والنحو والبلاغة، وعلم الخلاف، ولم يكتفي العز بدراسة هذه العلوم، ولكنه تفوق في معرفتها والتأليف فيها، ولذلك قال ابن العماد الحنبلي عنه وبرع في الفقه والأصول والعربية، وفاق الأقران والأضراب، وجمع بين فنون العلم من التفسير والحديث والفقه واختلاف أقوال الناس ومآخذهم، وبلغ رتبة الاجتهاد.

Share this content:

You May Have Missed