ودخل جنتة وهو ظالم لنفسه

 

بقلم / ادم محمد

 

يقول الله تعالي كما جاء في سورة الكهف في مثل الرجلين ” وكان له ثمر” وقرأ الجمهور كلمة ثمر بضم المثلثة وضم الميم، وقرأه أبو عمرو، ويعقوب بضم المثلثة وسكون الميم، وقرأه عاصم بفتح المثلثة وفتح الميم، فقالوا إنه جمع ثمار الذي هو جمع ثمر، مثل كتب جمع كتاب فيكون دالا على أنواع كثيرة مما تنتجه المكاسب، وعن الأعمش قال أن الحجاج قال لو سمعت أحدا يقرأ “وكان له ثمر” أي بضم الثاء لقطعت لسانه.

 

وقال ثعلب فقلت للأعمش أنأخذ بذلك، قال لا، ولا نعمة عين وكان يقرأ ثمر، أي بضمتين، والمعنى وهو أنه كان لصاحب الجنتين مال، أي غير الجنتين والفاء لتفريع جملة قال على الجمل السابقة لأن ما تضمنته الجمل السابقة من شأنه أن ينشأ عنه غرور بالنفس ينطق ربه عن مثل ذلك القول، والصاحب هنا بمعنى المقارن في الذكر حيث إنتظمهما خبر المثل أو أريد به الملابس المخاصم، كما في قول الحجاج يخاطب الخوارج “ألستم أصحابي بالأهواز” والمراد بالصاحب هنا الرجل الآخر من الرجلين، أي فقال من ليس له جنات في حوار بينهما ولم يتعلق الغرض بذكر مكان هذا القول، ولا سببه لعدم الإحتياج إليه في الموعظة، وجملة وهو يحاوره حال من ضمير قال والمحاورة هو مراجعة الكلام بين متكلمين.

 

وضمير الغيبة المنفصل عائد على ذي الجنتين والضمير المنصوب في يحاوره عائد على صاحب ذي الجنتين ورب الجنتين يحاور صاحبه ودل فعل المحاورة على أن صاحبه قد وعظه في الإيمان والعمل الصالح، فراجعه الكلام بالفخر عليه والتطاول شأن أهل الغطرسة والنقائض أن يعدلوا عن المجادلة بالتي هي أحسن إلى إظهار العظمة والكبرياء، ومعني كلمة وأعز أي أشد عزة، والعزة ضد الذل وهي كثرة عدد عشيرة الرجل وشجاعته، والنفر هو عشيرة الرجل الذين ينفرون معه وأراد بهم هنا ولده كما دل عليه مقابلته في جواب صاحبه بقوله إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا، وإنتصب نفرا على تمييز نسبة أعز إلى ضمير المتكلم، وجملة ودخل جنته في موضع الحال من ضمير قال، أي قال ذلك.

 

وقد دخل جنته مرافقا لصاحبه، أي دخل جنته بصاحبه، كما يدل عليه قوله قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا لأن القول لا يكون إلا خطابا لآخر، أي قال له ويدل عليه أيضا قوله قال له صاحبه وهو يحاوره، ووقوع جواب قوله أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا في خلال الحوار الجاري بينهما في تلك الجنة، ومعنى وهو ظالم لنفسه وهو مشرك مكذب بالبعث بطر بنعمة الله عليه، وإنما أفرد الجنة هنا وهما جنتان لأن الدخول إنما يكون لإحداها لأنه أول ما يدخل إنما يدخل إحداهما قبل أن ينتقل منها إلى الأخرى، فما دخل إلا إحدى الجنتين، والظن بمعنى الإعتقاد وإذا إنتفى الظن بذلك ثبت الظن بضده وتبيد أي تهلك وتفنى، والإشارة بهذا إلى الجنة التي هما فيها، أي لا أعتقد أنها تنتفض وتضمحل، ومعني الأبد مراد منه طول المدة.

 

أي هي باقية بقاء أمثالها لا يعتريها ما يبيدها وهذا إغترار منه بغناه وإغترار بما لتلك الجنة من وثوق الشجر، وقوته وثبوته وإجتماع أسباب نمائه ودوامه حوله من مياه وظلال، وإنتقل من الإخبار عن إعتقاده دوام تلك الجنة إلى الإخبار عن إعتقاده بنفي قيام الساعة، ولا تلازم بين المعتقدين ولكنه أراد التورك على صاحبه المؤمن تخطئة إياه، ولذلك عقب ذلك بقوله ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا تهكما بصاحبه وقرينة التهكم قوله وما أظن الساعة قائمة وهذا كقول العاصي بن وائل السهمي لخباب بن الأرت ليكونن لي مال هنالك فأقضيك دينك منه، وأكد كلامه بلام القسم ونون التوكيد مبالغة في التهكم، وإنتصب منقلبا على تمييز نسبة الخبر، والمنقلب هو المكان الذي ينقلب إليه أي يرجع.

 

وضمير منهما للجنتين عودا إلى أول الكلام تفننا في حكاية كلامه على قراءة الجمهور لفظ منهما بالتثنية وقرأ أبو عمرو، وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف منها بالإفراد جريا على قوله “ودخل جنته” وقوله “أن تبيد هذه”

Share this content:

You May Have Missed