الجنة تحت أقدام الأمهات.. فكيف يتحول الحضن الآمن إلى مصدر للخوف
بقلم: أسامة عبدالخالق عبدالقادر
الأم رمز الحنان والعطاء، ومصدر الأمان، والمدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء الحب والقيم والأخلاق. لذلك ارتبطت مكانتها في الأديان والوجدان بالرحمة والتضحية، وجاء القول الشهير: «الجنة تحت أقدام الأمهات» تعبيرًا عن عظمة دورها وما تستحقه من بر وتقدير.
لكن، ماذا يحدث حين تتحول اليد التي خُلقت لتمسح دموع الطفل إلى أداة تؤذيه، ويصبح الحضن الذي يفترض أن يحميه مصدرًا للخوف؟
إن وقائع طرد أطفال صغار من منازلهم أو ضربهم انتقامًا من آبائهم تكشف قسوة مؤلمة، لا بسبب الأذى الجسدي والنفسي فحسب، بل لأن المعتدي يكون أحيانًا من يفترض أن يكون ملاذ الطفل الأول. فالطفل ليس ساحة لتصفية الخلافات، ولا أداة للانتقام، ولا ملكية يتصرف فيها الكبار وفق غضبهم؛ بل إنسان له كرامته وحقوقه، وقد تظل آثار العنف والإهانة محفورة في ذاكرته سنوات طويلة.
ولا يعني ذلك إدانة كل أم تخطئ أو تفقد أعصابها؛ فالأم قد تواجه ضغوطًا نفسية واجتماعية واقتصادية وتحتاج إلى الدعم والتوجيه والعلاج. لكن الضغوط لا تبرر الاعتداء، ويجب التمييز بين خطأ تربوي يمكن إصلاحه، وعنف متعمد أو متكرر يستوجب التدخل والمحاسبة.
إن حماية الأطفال مسؤولية دينية وأخلاقية وقانونية ومجتمعية، وليست شأنًا خاصًا يُترك خلف الأبواب المغلقة.
فالدين يدعو إلى الرحمة والرفق، والقانون يجرّم الاعتداء على الأطفال، وعلى الدولة ومؤسسات حماية الطفل والمدارس والإعلام والمجتمع المدني نشر ثقافة التربية السليمة، ودعم الأسر، والتدخل الحازم عند وقوع العنف، مع حماية الطفل وتأهيله نفسيًا ومحاسبة المعتدي وفق القانون.
كما يجب ألا يصمت المجتمع أمام الاعتداء بحجة خصوصية الأسرة؛ فالإبلاغ المسؤول قد ينقذ طفلًا من أذى مستمر. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي تحويل وقائع فردية إلى اتهام للأمومة أو للمرأة، بل المطلوب احترام الأم ومساندتها، مع عدم التسامح مع أي اعتداء على طفل، أيًّا كانت صلة المعتدي به.
رسالة إلى كل أم: طفلك أمانة، ولا يملك من الدنيا سواك. وإذا ضاقت بك الحياة، فاطلبي المساعدة ولا تجعليه يدفع ثمن أزماتك.
ورسالة إلى المجتمع: لا تكتفوا بالغضب، بل اجعلوا حماية الطفل قضية تستحق المتابعة والعمل والمحاسبة.
فالأطفال أمانة، والرحمة ليست ضعفًا، وحماية الضعيف واجب لا يقبل التأجيل. وإذا كانت الجنة تحت أقدام الأمهات، فالرحمة هي الطريق الذي يصون هذه المكانة ويحفظ للطفل حقه في طفولة آمنة وحياة كريمة.
Share this content:


