قيام الحجة يختلف بإختلاف الأزمنة

بقلم محمـــد الدكـــروري

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ثم أما بعد لقد أنول الله عز وجل كتابه الكريم ورسله الكرام عليهم السلام ليكونوا حجة علي الناس يوم القيامة، وقيل أنه ليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهما جليا كما يفهمها من هداه الله ووفقه وانقاد لأمره، أي يكفي أن يتصور المراد تصور العامة بدون تفصيلات أهل العلم، ولعل التقسيم المناسب الذي يزيل اللبس بين الفهم البلاغ هو أن نصنّف مراتب البلاغ إلى أربع مراتب، فالمرتبة الأولى وهو البلاغ المطلق، وإن لم تحصل حقيقة البلاغ بفهم المقصود وتصور المراد، كمن تُلي عليه القرآن وهو لا يفهم العربية.
وهذه المرتبة لا تقوم بها الحجة الرسالية حيث يقول تعالي في سورة النساء “لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل” وأما عن المرتبة الثانية وهو البلاغ الذي يفهمه عامة الناس، فيبلغ كليات الدين ويتصورها تصور العامة، وبهذا تقوم الحجة الرسالية وقد يعبر عنها بالفهم أي فهم العامة حيث يقول تعالي “لأنذركم به ومن بلغ” وأما عن المرتبة الثالثة وهو الفهم المفصّل الذي يستغرق فيه المبلّغ في تفاصيل الخطاب والبلاغ وهذا شيء زائد عن الحد الأدنى الكافي للحجة الرسالية والحجة قائمة عليه أكبر من الذي قبله، وأما عن المرتبة الرابعة وهو أن يترجح للمبلّغ وجه الحق من الباطل ويقتنع بأصول الملة الإسلامية وهذا ليس بلازم في إقامة الحجة والقول بإشتراطه مشاقة للقرآن العظيم حيث يقول الله تعالي في سورة فاطر ” فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون”
ولا شك أن كفر المعاند من أقبح الكفر حيث يقول الله تعالي في سورة النمل ” وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين” وقال الإمام ابن القيم رحمه الله “إن قيام الحجة يختلف بإختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتميزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئا، ولا يتمكن من الفهم” وقال شيخ الإسلام “كل من عبد عبادة نهي عنها ولم يعلم النهي لكن هي من جنس المأمور به مثل أن صلى في أوقات النهي وبلغه الأمر العام بالصلاة ولم يبلغه النهي، أثيب على ذلك، بخلاف ما لم يشرع جنسه مثل الشرك فإن هذا لا ثواب فيه وإن كان لا يعاقب صاحبه إلا بعد بلوغ الرسالة.
كما قال تعالى في سورة الإسراء “وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا” لكنه وإن كان لا يعذب فإن هذا لا يثاب بل هذا كما قال تعالى في سورة الفرقان “وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا” وقال ابن المبارك هي الأعمال التي عملت لغير الله” وهذه العبارة جارية على نمط بقية كلامه ومنسجمة مع منهجه رحمه الله، فالشرك الذي يعذر صاحبه عند الشيخ إن كان أكبر ظاهر، فصاحبه معدود من أهل الفترة أو ممن لم تبلغهم الحجة الرسالية ونحو ذلك، وإن كان خفيا أو أصغر فقد يقع لمن هو بين أظهر المسلمين والله أعلم، ومن أمثلة القربات التي لم يشرع جنسها هو الإستغاثة بالموتى والعكوف على القبور ودعاء الجن والذبح لغير الله تعالي ونحو ذلك، والحجة الرسالية إنما يقيمها العلماء وقيل “إنما يشترط فهم المراد للمتكلم والمقصود من المخاطب لا أنه الحق، وقال الله في كتابه “لأنذركم به ومن بلغ”

ومن الذي يبلّغ وينقل نصوص الكتاب والسنة غير أهل العلم ورثة الرسل؟” وكما قيل “ويقيم الحجة عالم يعلم كيف يقيم الحجة ويزيل الشبهة ولهذا يقول العلماء الحجة الرسالية، أي التي يقيمها الرسل أو ورثة الرسل ممن يحسن إقامة الحجة”

Share this content:

You May Have Missed