الخطيب البارع ابن دقيق العيد
بقلم محمد الدكروري
ذكرت المصادر التاريخية وكتب الفقه الإسلامي الكثير عن أئمة المسلمين وكان من بينهم الإمام إبن دقيق العيد هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري القوصي، وقيل أنه كما كان ابن دقيق العيد، بجانب امتيازه في التدريس والفقه والتأليف، خطيبا بارعا، وله ديوان شعر ونثر لا يخرج عن طريقة أهل عصره الذين عرفوا بالسجع والمحسنات البديعة، وأيضا الإلمام الجامع لأحاديث الأحكام، في عشرين مجلدا، وهو من أعظم ما صُنف في مجاله، وله أيضا شرح كتاب التبريزي في الفقه، وشرح مقدمة المطرزي في أصول الفقه، والاقتراح في بيان الاصطلاح، واقتناص السوانح، وشرح مختصر ابن الحاجب، وديوان شعر، وشرح الأربعين النووية، والإمام شرح الإلمام، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام.
وقد تتلمذ عليه خلق كثير، على رأسهم قاضي القضاة شمس الدين ابن جميل التونسي، وقاضي القضاة شمس الدين بن حيدرة، والعلامة أثير الدين أبو حيان الغرناطي، وعلاء الدين القونوي، وشمس الدين بن عدلان، وفتح الدين اليعمري، شرف الدين الإخميمي وغيرهم الكثير، وقد درّس بالمدرسة الفاضلية، والمدرسة المجاورة لضريح الشافعي، والمدرسة الكاملية، والصالحية، ودرس بدار الحديث بقوص، بينما كان العالم الفقيه علي بن وهب المعروف بمجد الدين القشيري يأخذ طريقه لأداء فريضة الحج في يوم السبت الخامس والعشرين من شهر شعبان سنة ستمائة وخمس وعشرين من الهجرة، على ظهر إحدى السفن وبصحبته زوجته كريمة الشيخ الزاهد الورع مفرح الدماميني أحد كبار متعبدة الصعيد.
في القرن السابع الهجري، وذلك عن طريق البحر الأحمر الذي كانوا يسمونه في العصر الإسلامي ببحر القلزم، وما أن قاربت السفينة ساحل الينبع، حتى حمل البشير إليه نبأ أدخل السرور والبشر على قلبه، وهو أن زوجته قد وضعت غلاما، فرفع العالم الفقيه مجد الدين القشيري يده إلى السماء شاكرا حامدا نعمة الله عليه سبحانه وتعالى على هذه المنة العظيمة، ولما قدم مكة حمل رضيعه المبارك بين يديه وطاف به البيت وهو يدعو الله سائلا أن يجعله عالما، وقد استجاب الله لدعائه، ووصل الفتى بجدّه وذكائه ومثابرته في الدرس وتحصيل العلوم إلى مرتبة قاضي قضاة المسلمين في العصر المملوكي، وقد نشأ ابن دقيق العيد في مدينة قوص التي كانت تشتهر في ذلك الوقت بمدارسها العديدة ونهضتها الثقافية الواسعة.
تحت رعاية والده مجد الدين القشيري الذي تخرج على يديه الآلاف من أبناء الصعيد، كما يشير إلى ذلك الأدفوي في طالعه السعيد في تراجم متفرقة، وقد عاش شبابه تقيا نقيا ورعا طاهر الظاهر والباطن، يتحرى الطهارة في كل أمر من أمور دينه ودنياه، فحفظ القرآن الكريم حفظا تاما، وتفقه على مذهب الإمام مالك على يد أبيه، ثم رجع وتفقه على مذهب الإمام الشافعي على يد تلميذ أبيه البهاء القفطي، كما درس النحو وعلوم اللغة على يد الشيخ محمد أبي الفضل المرسي، وشمس الدين محمود الأصفهاني.
Share this content:


