حين نصنع الفوضى بأيدينا… ثم نسأل: أين الحكومة

بقلم: أشرف ضلع

في كل مرة تتراكم فيها القمامة في شارع، أو يضيق طريق بسبب تعدٍّ على الرصيف، أو تتشوّه ملامح مرفق عام، يرتفع السؤال سريعًا: أين الحكومة؟
والسؤال مشروع، بل واجب حين يكون هناك تقصير أو غياب للرقابة أو ضعف في تنفيذ القانون. لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبقَه أحيانًا هو: من صنع المشكلة في الأساس؟
فكيف نلقي القمامة في غير موضعها، ثم نشكو من سوء النظافة؟

وكيف نحتل الرصيف أمام المحال والمنازل، ثم نتذمر من اختناق الشوارع؟
وكيف نعتدي على الملك العام، ثم نطالب الدولة بأن توفر لنا بيئة حضارية؟
الحقيقة التي لا نحب كثيرًا أن نواجهها أن بعض الأزمات لا تهبط علينا من السماء، وإنما نصنع جزءًا منها بأيدينا، ثم نبحث عن شماعة نعلّق عليها أخطاءنا.

إن الدولة مطالبة بأن تقوم بدورها كاملًا؛ نظافةً ورقابةً وإنفاذًا للقانون وحمايةً للملك العام. ولا يجوز أن يكون تقصير بعض المسؤولين مبررًا للتهاون أو الفوضى.
لكن المواطن أيضًا شريك في صناعة المشهد العام. فالشارع ليس ملكًا خاصًا، والرصيف ليس مساحة إضافية أمام محل أو منزل، والميدان ليس سلة مهملات، والمرفق العام ليس شيئًا بلا صاحب.
الملك العام هو ملك الجميع، ومن يعتدي عليه لا يأخذ من الدولة وحدها، بل يأخذ من جاره، ومن طفله، ومن مجتمعه، ومن حقه هو نفسه في حياة أفضل.

والأخطر من الخطأ أن يتحول الخطأ إلى عادة، ثم تتحول العادة إلى حق مكتسب، ثم يتحول الاعتراض على إزالتها إلى شكوى من الدولة!
نحن في حاجة إلى ثقافة جديدة تقول إن احترام القانون ليس خوفًا من الغرامة، وإنما احترام للناس. وأن النظافة ليست مهمة عامل النظافة وحده، وإنما سلوك يبدأ من يد المواطن قبل أن يصل إلى صندوق القمامة.
ولا يعني هذا أن نبرئ الحكومة من مسؤولياتها، أو نغلق باب النقد والمحاسبة. على العكس، الحكومة التي تطلب من المواطن الالتزام مطالبة هي الأخرى بأن تكون حاضرة، وأن تطبق القانون بعدالة، وألا تسمح لمعتدٍ أن يحول الاستثناء إلى قاعدة.
فالمعادلة ببساطة:
دولة تؤدي واجبها… ومواطن يعرف واجبه.
قانون يُطبَّق… وحق يُحترم.
خدمة تُقدَّم… وسلوك يحافظ عليها.
أما أن نبني طريقًا ثم نحتله، وننظف شارعًا ثم نلقي فيه المخلفات، ونوفر مرفقًا عامًا ثم نعبث به، وبعد ذلك نقف جميعًا نسأل: «أين الحكومة؟»، فهذه ليست معالجة للأزمة، وإنما استمرار لها بطريقة أكثر أناقة!
إن إصلاح الشارع يبدأ أحيانًا من إصلاح السلوك، وإصلاح المدينة لا يبدأ دائمًا من مكتب المسؤول، بل قد يبدأ من يدٍ تضع كيس القمامة في مكانه، أو صاحب محل يترك الرصيف للمارة، أو مواطن يرفض أن يكون جزءًا من الفوضى حتى لو وجد غيره يمارسها.
فالدولة لا تُبنى بالحجر وحده، وإنما بالوعي الذي يحمي الحجر، والقانون الذي يحمي الحق، والمواطن الذي يدرك أن المصلحة العامة ليست شيئًا خارج بيته… بل هي بيته الكبير.
وعندما نتعلم أن نسأل أنفسنا قبل أن نسأل الحكومة:
«ماذا فعلتُ أنا؟»
ربما نكون قد وضعنا أقدامنا على أول طريق الإصلاح الحقيقي.

Share this content:

You May Have Missed