الأنسولين المصري.. هل حان وقت الاعتماد على المنتج الوطني
بقلم أسامة عبدالخالق
في ملف يمس حياة ملايين المصريين بصورة مباشرة، عاد الحديث مجددًا حول صناعة الأنسولين في مصر، بعدما أكد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، أن الدولة لا ترى مبررًا لاستيراد الأنسولين النهائي من الخارج في ظل وجود إنتاج محلي قادر على تلبية احتياجات السوق، مؤكدًا أهمية الاعتماد على الصناعة الوطنية وترشيد استخدام العملة الصعبة.
التصريح، الذي أثار نقاشًا واسعًا، يستحق أن يُقرأ بعيدًا عن الانفعال أو التفسير الخاطئ.
فالقضية الحقيقية ليست: مصري أم مستورد؟
وإنما السؤال الأهم:
هل المنتج المصري المسجل والمرخص والمطابق للمواصفات يمتلك الكفاءة المطلوبة التي تسمح للدولة بالاعتماد عليه بدلًا من المنتج المستورد؟
وهنا تبدو الإجابة الرسمية أكثر وضوحًا.
هيئة الدواء: المنتج المحلي يضاهي المستورد
في تصريحات رسمية سابقة، أكدت هيئة الدواء المصرية أن الإنسولين المصنع محليًا يضاهي المستورد، مشيرة إلى أن المنتج المحلي يعتمد على خامات من نفس مصادر المادة الخام المستخدمة في المنتجات المستوردة.
وهذه النقطة تحديدًا تُسقط جزءًا كبيرًا من المخاوف التي ترتبط أحيانًا بفكرة أن «المستورد أفضل لمجرد أنه مستورد».
فالدواء لا يحصل على شرعية التداول لمجرد أنه يحمل اسمًا أجنبيًا، وإنما يخضع لمنظومة تسجيل ورقابة وجودة واشتراطات تنظيمية.
وتؤكد هيئة الدواء المصرية أنها الجهة المختصة بتنظيم ومراقبة جودة وفاعلية ومأمونية المستحضرات الطبية في مصر، كما تضع القواعد المنظمة للاستيراد والإفراج الطبي عن المستحضرات وخاماتها.
القضية ليست اسمًا تجاريًا.. وإنما مادة فعالة وجودة وأمان
من المهم هنا التفرقة بين الاسم التجاري وبين المادة الفعالة ونوع الأنسولين وتركيزه وشكله الصيدلاني.
فوجود أكثر من منتج لعلاج الحالة نفسها لا يعني بالضرورة أن جميع المرضى يستطيعون تغيير علاجهم من تلقاء أنفسهم.
ولهذا فإن دعم الصناعة المحلية لا يعني إطلاقًا دعوة المريض إلى تغيير نوع الأنسولين الذي يتناوله دون الرجوع إلى الطبيب.
الطبيب هو صاحب القرار الطبي.
أما الدولة، فمن حقها بل ومن واجبها أن تبحث عن أفضل وسيلة لتوفير العلاج الآمن والفعال للمواطن، بأقل تكلفة ممكنة، مع الحفاظ على الجودة واستدامة الإمدادات.
4 شركات محلية.. ورسالة مهمة للصناعة الوطنية
وجود شركات مصرية تنتج مستحضرات مثيلة للأنسولين المستورد يمثل فرصة حقيقية لبناء قاعدة دوائية وطنية أكثر قوة.
فالاعتماد على المنتج المحلي لا يوفر العملة الصعبة فقط، وإنما يعني أيضًا:
– دعم الاستثمارات الوطنية.
– توفير فرص عمل.
– زيادة قدرات التصنيع الدوائي.
– تقليل مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
– بناء قدرة وطنية على توفير دواء استراتيجي.
– إمكانية التوسع مستقبلًا في التصدير للأسواق الخارجية.
وهنا يجب أن ننظر إلى الأنسولين باعتباره دواءً استراتيجيًا وليس مجرد سلعة دوائية عادية.
العملة الصعبة.. ملف آخر في القضية
في ظل الضغوط التي تواجهها فاتورة الاستيراد، يصبح توطين صناعة الأدوية الأساسية أحد الحلول المنطقية.
فإذا كان لدينا منتج مصري مطابق للمواصفات، وتؤكد الجهة الرقابية المختصة قدرته على منافسة المنتج المستورد، فإن إعطاء الأولوية للمنتج المحلي في المشتريات الحكومية والمنظومات الصحية يصبح أمرًا منطقيًا اقتصاديًا.
وهذا لا يعني إغلاق الباب أمام الاستيراد بصورة عشوائية، وإنما يعني ببساطة:
الأولوية للمنتج المصري عندما يحقق شروط الجودة والكفاءة والتوافر.
لكن.. هناك خط أحمر
دعم الصناعة الوطنية لا يجب أن يتحول إلى شعار على حساب المريض.
وهنا تكمن مسؤولية الدولة وهيئة الدواء ووزارة الصحة.
فالمطلوب ليس فقط إنتاج الأنسولين محليًا، وإنما ضمان:
الجودة + الفاعلية + الأمان + التوافر المستمر + السعر العادل.
كما يجب أن تظل هناك آليات واضحة للتعامل مع أي حالة لا يناسبها البديل المحلي، وفقًا للتقييم الطبي للطبيب المعالج.
فالهدف النهائي ليس الانتصار للمنتج المصري على حساب المريض، ولا الانتصار للمستورد على حساب الصناعة الوطنية.
الهدف هو الانتصار للمريض المصري.
من حق المواطن أن يعرف الحقيقة
المشكلة الحقيقية في مثل هذه الملفات تبدأ عندما تختلط المعلومات الطبية بالشائعات.
فالمريض الذي يسمع عبارة «الأنسولين المحلي» قد يعتقد أن الدولة تريد إجباره على دواء أقل جودة.
وهذا يحتاج إلى خطاب رسمي وإعلامي واضح:
الدواء المحلي المسجل والمرخص ليس دواءً من الدرجة الثانية.
وإذا كانت الجهات الرقابية قد أثبتت مطابقته للمعايير المطلوبة، فمن الطبيعي أن يحصل على الثقة التي يحصل عليها المنتج المستورد.
بل إن استمرار الاعتقاد بأن كل ما يأتي من الخارج أفضل، حتى في وجود بديل وطني مطابق للمواصفات، يمثل ظلمًا للصناعة المصرية قبل أن يكون عبئًا على الاقتصاد.
مصر لا تحتاج إلى استيراد الثقة
المطلوب خلال المرحلة المقبلة أن تنتقل الدولة من مجرد تشجيع الصناعة الدوائية إلى بناء ثقة مستدامة في المنتج المصري.
وهذا يتحقق بالشفافية.
نريد من الجهات المختصة أن تعلن للمواطن بصورة دورية:
– حجم الإنتاج المحلي من الأنسولين.
– نسبة تغطيته للاحتياجات.
– نتائج اختبارات الجودة.
– حجم المخزون الاستراتيجي.
– عدد الشركات المنتجة.
– مدى توافر الأصناف المختلفة.
– آليات التعامل مع الحالات التي تحتاج إلى أصناف محددة.
عندها لن يحتاج المواطن إلى تصديق تصريح أو نفي شائعة.
الأرقام هي التي ستتحدث.
كلمة أخيرة
تصريحات وزير الصحة بشأن عدم استيراد الأنسولين النهائي إذا كان البديل المصري قادرًا على تلبية الاحتياجات ليست في جوهرها حربًا على المنتج الأجنبي.
إنها رسالة اقتصادية وصحية في الوقت نفسه:
إذا كنا نستطيع أن نصنع دواءنا الاستراتيجي بأيدٍ مصرية، وبجودة تضاهي المستورد، فلماذا لا نعطي الأولوية لما نصنعه داخل مصر؟
المنتج الوطني يحتاج إلى الدعم، لكن المريض يحتاج إلى الضمان.
والحل ليس في الاختيار بينهما.
الحل أن نصنع منتجًا مصريًا يستحق ثقة المريض، ثم نجعل هذه الثقة مبنية على العلم والرقابة والنتائج، لا على الشعارات.
فالأنسولين المصري الجيد ليس مجرد دواء صنع في مصر.. وإنما خطوة نحو امتلاك قرارنا الدوائي وتقليل فاتورة الاستيراد وحماية أمننا الصحي
Share this content:


