عندما يصبح العنف لغة الشارع وعقوق الوالدين مشهدًا مؤلمًا
بقلم أسامة عبدالخالق
لم تعد أزمة الأخلاق في مجتمعنا مجرد ظاهرة يمكن أن نغض الطرف عنها، أو مجموعة من التصرفات الفردية التي تظهر هنا أو هناك، بل أصبحت مشاهد تتكرر بصورة تدعو إلى القلق، وتطرح سؤالًا صعبًا: إلى أين يتجه المجتمع إذا استمر تراجع لغة الاحترام وانتشار العنف؟
كل يوم تطالعنا مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع لمشاجرات واعتداءات وسباب وتنمر وإهانات، وأحيانًا مشاهد صادمة يتعامل فيها البعض مع الجريمة وكأنها مادة للفرجة وجمع المشاهدات.
والأخطر أن الأمر لم يعد مقتصرًا على الشارع.
لقد دخلت بعض مظاهر العنف والانفلات إلى البيوت، وأصبحنا نسمع عن أبناء يسيئون إلى آبائهم وأمهاتهم، وخلافات أسرية تتحول إلى اعتداءات، وكأن هيبة الأسرة التي كانت تمثل خطًا أحمر لدى المجتمع المصري أصبحت مهددة.
من مجتمع “الأصول” إلى مجتمع “الفيديوهات”
كان المصري قديمًا يفتخر بما يسمى «الأصول».
احترام الكبير لم يكن فضيلة إضافية، وإنما قاعدة أساسية.
والجار له حرمة.
والوالدان لهما مكانة لا تُمس.
والخلاف مهما اشتد له حدود.
والغضب مهما بلغ لا يبرر الاعتداء.
أما اليوم، فقد أصبحنا نرى أحيانًا من يبحث عن الكاميرا قبل أن يبحث عن حل للمشكلة.
المشهد المؤلم يتحول إلى فيديو، والفيديو يتحول إلى «تريند»، والـ«تريند» يتحول إلى آلاف المشاهدات.
وهنا يجب أن نتوقف.
ماذا يحدث عندما تصبح الإساءة وسيلة للشهرة؟ وماذا يحدث عندما يكتشف البعض أن السلوك الأكثر صدمة هو الأسرع انتشارًا؟
مواقع التواصل.. مرآة أم مصنع للفوضى؟
ليست مواقع التواصل الاجتماعي مسؤولة وحدها عن الأزمة، لكنها بالتأكيد أصبحت أحد العوامل المؤثرة فيها.
فالمحتوى العنيف، والتنمر، والسباب، والاستعراض، وتقديم السلوكيات غير السوية باعتبارها بطولة أو خفة ظل، كلها أمور يمكن أن تؤثر في وعي الأطفال والشباب، خصوصًا عندما تغيب الرقابة الأسرية والقدوة الحقيقية.
المشكلة ليست في أن يشاهد الإنسان محتوى سيئًا فقط، وإنما في أن يعتاد عليه حتى يفقد قدرته على الشعور بأن ما يراه غير طبيعي.
وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية.
حين يصل الانفلات إلى داخل الأسرة
أقسى ما يمكن أن يصل إليه الانفلات الأخلاقي هو أن يفقد الأب مكانته، وأن تصبح الأم هدفًا للإهانة، وأن تتحول العلاقة بين الأبناء والآباء إلى صراع قوة.
نعم، هناك خلافات أسرية، وهناك آباء وأبناء يختلفون، وهذا أمر طبيعي.
لكن غير الطبيعي أن تتحول الخلافات إلى سب وإهانة واعتداء وعقوق.
فالأسرة التي تفقد لغة الحوار، تفقد تدريجيًا قدرتها على التربية.
والابن الذي لا يتعلم احترام والديه، كيف سيتعلم احترام معلمه؟ وكيف سيحترم جاره؟ وكيف سيتعامل مع زميله؟ وكيف سيحترم القانون؟
لا تجعلوا الظروف شماعة
نعم، المجتمع يمر بضغوط اقتصادية واجتماعية، والحياة أصبحت أكثر صعوبة، والضغوط النفسية تزداد على كثير من الأسر.
لكن علينا أن نفرق بين تفسير السلوك وتبريره.
الضغوط قد تفسر الغضب، لكنها لا تبرر الاعتداء.
والظروف الصعبة قد تفسر التوتر، لكنها لا تمنح أحدًا الحق في إهانة والديه أو جاره أو زميله.
والفقر لا يصنع البلطجة، والاختلاف لا يصنع الجريمة.
الإنسان مسؤول عن سلوكه، والمجتمع مسؤول عن مواجهة السلوك المنحرف قبل أن يتحول إلى ثقافة.
أين دور الأسرة والمدرسة والإعلام؟
المواجهة لن تكون بالقبض على مرتكب كل واقعة فقط، رغم أهمية تطبيق القانون بحسم.
نحن بحاجة إلى مواجهة أعمق.
نحتاج إلى أسرة تستعيد دورها.
ومدرسة لا تكتفي بتعليم الطالب المناهج، وإنما تعلمه معنى الاحترام والمسؤولية.
وإعلام لا يمنح الجريمة بطولة مجانية.
ومحتوى رقمي يرفع مستوى الوعي بدلًا من أن يحول أسوأ ما في المجتمع إلى مادة للضحك والمشاهدة.
ونحتاج قبل كل شيء إلى قدوة حقيقية.
فالطفل لا يتعلم الأخلاق من الكلمات فقط، بل يتعلمها مما يراه أمامه.
لا نريد مجتمعًا يخاف من بعضه
الخطر الأكبر ليس أن نرى مشاجرة في الشارع.
الخطر أن نعتاد عليها.
ليس الخطر أن نرى فيديو لعقوق والدين.
الخطر أن نشاهده ثم نمر عليه دون أن نشعر بالصدمة.
وليس الخطر أن يظهر شخص يفرض قوته على الآخرين.
الخطر أن يصبح ذلك الشخص نموذجًا يقلده آخرون.
حين يصبح السلوك السيئ مألوفًا، تبدأ الأزمة الحقيقية.
إنقاذ الأخلاق مسؤولية الجميع
لا يمكن أن نطالب الدولة وحدها بإصلاح كل شيء.
ولا يمكن أن نضع كل المسؤولية على الأسرة.
ولا يمكن أن نلوم الشباب وحدهم.
نحن جميعًا أمام مسؤولية مشتركة.
كل أب وأم مسؤولان عن تربية أبنائهما.
كل معلم مسؤول عن غرس قيمة.
كل إعلامي مسؤول عن المادة التي يقدمها.
كل مؤثر مسؤول عن الرسالة التي يبعثها إلى ملايين المتابعين.
وكل مواطن مسؤول عن سلوكه.
فمصر لا تحتاج إلى مزيد من العنف، ولا إلى مزيد من الصراخ، ولا إلى تحويل كل خلاف إلى معركة.
مصر تحتاج إلى استعادة احترام الإنسان للإنسان.
نحتاج أن نستعيد «الأصول» قبل أن تصبح مجرد كلمة من الماضي.
فالأوطان لا تُبنى بالطرق والكباري والمباني فقط، وإنما تُبنى قبل كل شيء بالإنسان.
وإذا أردنا أن نحمي مستقبل أبنائنا، فعلينا أن نبدأ من الآن في إعادة بناء منظومة الأخلاق والاحترام والانضباط.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يختلف أبناؤه… وإنما أن يفقدوا القدرة على احترام بعضهم البعض.
وهنا يجب أن ندق ناقوس الخطر:
أنقذوا الأخلاق قبل أن يصبح الانفلات هو القاعدة.
Share this content:


