حين يتغير وجه الماء.. التغيرات المناخية تفرض معادلة جديدة للأمن المائي
بقلم د. رشا الجزار
لم تعد أزمة المياه في عالم اليوم مرتبطة فقط بندرة الموارد، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا باضطراب دورة المياه نفسها.
فالمناخ المتغير يعيد توزيع المياه زمانيًا ومكانيًا، ويضع المجتمعات أمام مفارقة شديدة التعقيد: مناطق تواجه الجفاف ونقص التدفقات المائية، وأخرى تتعرض في الوقت نفسه لأمطار شديدة وسيول وفيضانات تتجاوز قدرة البنية التحتية على الاستيعاب.
وتأتي أحدث المؤشرات الدولية لتؤكد أن هذه المفارقة لم تعد سيناريو مستقبليًا. فقد أظهرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية
أن عام 2025 كان من أكثر الأعوام جفافًا بالنسبة لتدفقات الأنهار خلال أكثر من ثلاثة عقود، بينما شهدت السنوات السبع الأخيرة
أقل عدد من الأنهار التي سجلت تدفقات ضمن المعدلات الطبيعية منذ عام 1991، في مؤشر واضح على أن الدورة الهيدرولوجية أصبحت أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للتوقع.
كما سجلت آسيا وأفريقيا النصيب الأكبر من الكوارث المرتبطة بالمياه خلال السنوات الأخيرة.
من الجفاف إلى الفيضانات.. الوجه الآخر للأزمة
المشكلة إذن ليست في «قلة المياه» وحدها، وإنما في تطرف توزيعها. فارتفاع درجات الحرارة يزيد معدلات التبخر ويضغط على
الموارد المائية والتربة، بينما يمكن للأمطار الغزيرة خلال فترات قصيرة أن تتحول إلى سيول جارفة بدلًا من أن تتحول إلى مورد مائي مستفاد منه.
وهنا تتغير فلسفة إدارة المياه؛ فالمجتمع القادر على مواجهة المناخ الجديد ليس بالضرورة من يمتلك موارد مائية أكبر،
وإنما من يمتلك قدرة أعلى على تخزين المياه وإعادة استخدامها وحمايتها وإدارتها بكفاءة.
وفي هذا السياق، تتجه إدارة مياه الأمطار والسيول إلى مفهوم أكثر تطورًا، يقوم على تحويل جزء من الخطر إلى مورد.
وتعمل مصر بالفعل على منظومة للحماية من أخطار السيول وحصاد مياه الأمطار، مع تنفيذ منشآت تهدف إلى حماية السكان
والبنية الأساسية، والاستفادة من مياه السيول في دعم الموارد المائية وإعادة تغذية الخزانات الجوفية.
المياه المستدامة.. من شعار بيئي إلى ضرورة اقتصادية
لم يعد مفهوم المياه المستدامة ترفًا بيئيًا، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الغذائي والطاقة والصحة والتنمية الاقتصادية.
فالزراعة، باعتبارها من أكثر القطاعات ارتباطًا بالمياه، تحتاج إلى الانتقال بصورة أكبر نحو نظم ري أكثر كفاءة، ومحاصيل تتناسب مع الظروف المناخية، واستخدام البيانات في تحديد الاحتياجات الفعلية للنبات بدلًا من الاعتماد على أنماط ري ثابتة قد لا تتوافق مع تغير درجات الحرارة ومعدلات التبخر.
كما يمثل إعادة استخدام المياه أحد أهم محاور الإدارة المستدامة للموارد، إلى جانب معالجة مياه الصرف الزراعي والصحي، وتحسين كفاءة شبكات النقل والتوزيع، والحد من الفاقد، والتوسع المدروس في تحلية المياه حيث تكون مناسبة اقتصاديًا وبيئيًا.
وتؤكد وزارة الموارد المائية والري المصرية أن رفع كفاءة استخدام المياه، والتوسع في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وتعظيم الاستفادة من كل قطرة، أصبحت محاور أساسية في التعامل مع محدودية الموارد وتزايد الطلب.
دلتا النيل أمام اختبار جديد
وتكتسب القضية بعدًا أكثر حساسية في المناطق الساحلية والدلتاوية، حيث لا تأتي المخاطر من اتجاه واحد. فارتفاع مستوى سطح البحر يمكن أن يتداخل مع هطول الأمطار الغزيرة، ومشكلات الصرف، وهبوط بعض المناطق، لتنشأ ظاهرة الفيضانات المركبة التي تزيد من تعقيد إدارة المخاطر الساحلية.
وتشير دراسة علمية حديثة نُشرت في سبتمبر 2026 إلى أن مخاطر المدن الساحلية المصرية، ومن بينها الإسكندرية ودلتا النيل، لا ترتبط بارتفاع مستوى سطح البحر وحده، وإنما تتأثر أيضًا بحركة سطح الأرض، والأمطار، وقدرة شبكات الصرف، بما يجعل التخطيط للتكيف بحاجة إلى رؤية متكاملة بدلًا من التعامل مع كل خطر بصورة منفصلة.
وهذا يعني أن حماية المياه لا تنفصل عن حماية السواحل، وأن حماية السواحل لا يمكن أن تنفصل عن التخطيط العمراني وإدارة مياه الأمطار وحماية الأراضي الزراعية.
الذكاء الاصطناعي يدخل معادلة المياه
وفي خضم هذه التحديات، تفتح التكنولوجيا بابًا جديدًا لإدارة الموارد المائية. فالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات يمكن أن يساعدا في معالجة كميات ضخمة من المعلومات المتعلقة بالأمطار والتدفقات والاستهلاك والمحاصيل والتربة، بما يدعم اتخاذ قرارات أكثر دقة في توزيع المياه وإدارة الطلب عليها.
وتتحرك مصر بالفعل نحو توظيف التكنولوجيا والرقمنة في إدارة الموارد المائية؛ إذ أعلنت وزارة الموارد المائية والري ضمن توجهاتها الحالية تطوير أدوات رقمية مرتبطة بإدارة المياه والمحاصيل، إلى جانب التوسع في الإدارة الذكية للمنظومة المائية. كما يتضمن توجه الوزارة للجيل الثاني من منظومة الري الاعتماد بصورة أكبر على التكنولوجيا الحديثة والتحول الرقمي.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ فالبيانات تحتاج إلى مؤسسات قادرة على استخدامها، وسياسات مرنة، وكوادر مؤهلة، ووعي مجتمعي يجعل ترشيد المياه سلوكًا مستدامًا وليس مجرد استجابة مؤقتة للأزمات.
الحلول القائمة على الطبيعة.. استثمار في المستقبل
ومن الاتجاهات المهمة التي تفرض نفسها بقوة مفهوم الحلول القائمة على الطبيعة؛ مثل استعادة النظم البيئية، وحماية الأراضي الرطبة، وزيادة الغطاء النباتي، ودعم حماية السواحل بوسائل طبيعية أو هجينة، وتحسين قدرة المدن على امتصاص مياه الأمطار.
وتتجه مصر في بعض مشروعاتها الساحلية إلى الاستفادة من هذه الحلول في إطار التكيف مع تغير المناخ، بما يعكس تحولًا تدريجيًا من الاعتماد على المنشآت الهندسية وحدها إلى دمجها مع الحلول البيئية التي يمكن أن تحقق فوائد متعددة في الوقت نفسه.
الأمن المائي يبدأ من الوعي
ومع كل هذه المشروعات والتقنيات، تبقى المعادلة ناقصة من دون الإنسان.
فترشيد استهلاك المياه، والحفاظ على مصادرها من التلوث، وعدم الإسراف في استخدامها، والتعامل المسؤول مع مياه الأمطار، كلها ممارسات تبدو بسيطة، لكنها تصبح ذات أثر كبير عندما تتحول إلى ثقافة مجتمعية.
وقد أبرز تقرير الأمم المتحدة العالمي لتنمية المياه لعام 2026 أن قضايا المياه تتجاوز البعد البيئي لتتصل بالعدالة الاجتماعية والصحة والتعليم وفرص التنمية، وهو ما يؤكد أن المياه ليست قضية قطاع واحد، بل قضية مجتمع بأكمله.
من إدارة الندرة إلى إدارة المرونة
إن التغيرات المناخية تفرض علينا إعادة تعريف مفهوم الأمن المائي. فالأمن المائي في القرن الحادي والعشرين لا يعني فقط امتلاك مصدر للمياه، وإنما امتلاك منظومة مرنة تستطيع التعامل مع الجفاف، والأمطار الغزيرة، وارتفاع الحرارة، وارتفاع مستوى البحر، وتغير أنماط الطلب والاستهلاك.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست مع الماء، وإنما مع سوء إدارته.
فكل قطرة يجري توفيرها من خلال كفاءة الري، وكل متر مكعب تتم إعادة استخدامه بأمان، وكل كمية من مياه الأمطار يمكن حصادها، وكل تسرب يتم اكتشافه مبكرًا، وكل قرار يستند إلى بيانات دقيقة؛ يمثل جزءًا من منظومة أكبر لحماية مستقبل التنمية.
وفي النهاية، فإن العالم لا يواجه أزمة مياه بمعناها التقليدي فقط، بل يواجه عصرًا جديدًا من عدم اليقين المائي فرضه تغير المناخ. ومصر، بما تمتلكه من خبرات ومشروعات وتجارب في إدارة الموارد المائية، مطالبة بمواصلة تطوير هذه المنظومة، ليس فقط لحماية احتياجات الحاضر، وإنما لبناء قدرة طويلة المدى على التكيف.
فالمستقبل لن يُقاس فقط بكمية المياه التي نمتلكها، وإنما بقدرتنا على أن نديرها بعدالة وكفاءة واستدامة.
لأن حماية الماء اليوم.. هي في الحقيقة حماية للحياة والغذاء والاقتصاد والأمن ومستقبل الأجيال القادمة.
Share this content:


