عندما يصبح الشرف ذريعة للظلم.. المرأة ضحية مجتمع يبرر الجريمة ويُدين الضحية
بقلم: حنين محمد حمدى
ما زالت المرأة في مجتمعاتنا تواجه العديد من صور الظلم والتمييز، التي تتخفى وراء شعارات زائفة، مثل «الشرف» و«العادات والتقاليد»، بينما لا تمت إلى الشرف الحقيقي بصلة، بل تمثل انتهاكًا لكرامة الإنسان وحقوقه التي كفلها الدين والقانون. والأخطر من ذلك أن بعض الممارسات الاجتماعية الخاطئة تُقدَّم وكأنها من تعاليم الدين، في حين أن الإسلام كرّم المرأة، وصان كرامتها، وأقر لها حقوقها في الاختيار والتعلم والعمل والميراث والحياة الكريمة.
إن القضية لم تعد مجرد تصرفات فردية عابرة، بل أصبحت تستدعي وقفة جادة أمام ثقافة مجتمعية تُحمّل المرأة مسؤولية أخطاء لم ترتكبها، وتمنح الرجل في المقابل مساحات واسعة من التبرير والتسامح، حتى عندما يتعلق الأمر بسلوكيات مرفوضة أخلاقيًا وإنسانيًا.
جرائم القتل باسم الشرف.. هل يُغسل العار بالدماء؟
من أبشع صور الظلم التي تتعرض لها المرأة جرائم القتل التي تُرتكب تحت مسمى «غسل العار»، حيث تُزهق أرواح فتيات لمجرد الاشتباه في سلوكهن، أو بسبب رسالة على هاتف، أو حديث عابر، أو رفض الزواج من شخص فُرض عليهن دون إرادة حقيقية.
وقد تصل المأساة إلى أن تُقتل فتاة في مقتبل العمر على يد أحد أفراد أسرتها، بدعوى الدفاع عن الشرف، وكأن الشك يمنح صاحبه حق إصدار حكم بالإعدام وتنفيذه بعيدًا عن القانون والعدالة.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يواجه ضمير المجتمع: كيف يصبح قتل الإنسان دفاعًا عن الشرف؟ وأي شرف هذا الذي يُصان بإزهاق روح بريئة؟
وتتضاعف المأساة عندما نرى ازدواجية المعايير في التعامل مع الرجل والمرأة؛ فالرجل الذي يرتكب الخطأ قد يجد من يبرر له تصرفاته باعتبارها نزوة عابرة، بينما تواجه المرأة أحكامًا قاسية قد تصل إلى التهديد بحياتها. فإذا كان الشرف قيمة أخلاقية، فلماذا يُحاسب عليها طرف ويُعفى منها طرف آخر؟
إن الشرف لا يتجزأ، ولا يجوز أن يتحول إلى سلاح يُشهر في وجه المرأة وحدها، أو إلى ذريعة لتبرير العنف والقتل خارج إطار القانون.
التحرش بالمرأة.. لماذا يُلام المجني عليها ويُبرَّأ الجاني؟
ومن صور الظلم التي تكشف خللًا واضحًا في الوعي المجتمعي، تحميل المرأة مسؤولية التحرش الذي تتعرض له، بدلًا من إدانة المتحرش ومحاسبته على سلوكه.
فكم من امرأة تعرضت للتحرش في الشارع أو وسائل المواصلات، ثم وجدت نفسها مطالبة بتبرير ملابسها أو طريقة سيرها أو سبب خروجها من المنزل، وكأن وجودها في المجال العام اتهام يستوجب الدفاع عن نفسها.
إن السؤال عن ملابس الضحية لا يبرر الجريمة، ولا يمنح مرتكبها أي عذر. فالتحرش سلوك مرفوض، والمسؤولية تقع على من ارتكبه، وليس على من تعرضت له.
ومن المؤسف أن تتسلل بعض الأفكار المغلوطة إلى الخطاب الاجتماعي، فتُقيَّد حرية المرأة بحجة حمايتها، بينما يُغض الطرف عن السلوك العدواني الذي يستوجب الردع والمحاسبة.
إن حماية المرأة لا تكون بإجبارها على الانزواء أو تحميلها مسؤولية تصرفات الآخرين، بل بتوفير بيئة آمنة تحترم كرامتها، وتضمن حقها في الشكوى، وتحاسب كل من يتعدى عليها، دون تمييز أو تبرير.
زواج القاصرات.. طفولة تُسلب باسم الستر
ومن القضايا التي تستحق اهتمامًا أكبر، زواج الفتيات في سن مبكرة، تحت شعارات مثل «الستر» أو الخوف من كلام الناس، دون إدراك لحجم الأضرار النفسية والاجتماعية والتعليمية التي قد تترتب على حرمان الطفلة من طفولتها.
فتاة في الرابعة عشرة من عمرها ينبغي أن تكون منشغلة بتعليمها وأحلامها وبناء شخصيتها، لا أن تُدفع إلى مسؤوليات زوجية وأسرية تفوق قدرتها على الاستيعاب والتحمل، خاصة عندما يكون الزواج مفروضًا عليها أو تكون هناك فجوة عمرية كبيرة بينها وبين الزوج.
إن تزويج القاصرات ليس حلًا للمشكلات الاجتماعية، ولا طريقًا مضمونًا لحماية الفتيات، بل قد يحرمهن من التعليم والاستقلال وبناء المستقبل، ويجعلهن أكثر عرضة للاستغلال والعنف.
وتزداد الخطورة عندما تتداخل هذه الممارسات مع ثقافة التهديد والعقاب باسم الشرف، فتُحاصر الفتاة بين زواج لا تريده وخوف من أسرة قد لا تتقبل اختيارها أو رفضها.
إن حماية الطفولة مسؤولية الأسرة والمجتمع والدولة، ولا يجوز أن تتحول العادات الموروثة إلى مبرر لإهدار حقوق الفتيات أو تعريضهن للخطر.
العنف ضد المرأة.. حين يتحول الزواج إلى قيد
لا تزال بعض النظرات الاجتماعية تتعامل مع المرأة باعتبارها تابعًا للرجل، وكأن الزواج يمنح الزوج حق التحكم في حياتها وقراراتها، ويصادر إرادتها في الاختيار والرفض والتعبير عن الرأي.
والحقيقة أن الزواج شراكة تقوم على المودة والرحمة والاحترام المتبادل، وليس علاقة امتلاك أو وسيلة لفرض السيطرة والإذلال.
ولا يقل خطورة عن العنف الجسدي ذلك العنف النفسي الذي يحاصر المرأة بالإهانة والتخويف والتهديد، ويجعلها تعيش في خوف دائم من اتخاذ قرار قد لا يرضي زوجها أو أسرتها.
ومن أخطر الأفكار التي تروج لها بعض البيئات أن الزواج هو الفرصة الوحيدة أمام المرأة لتعيش حياة كريمة، وأن بقاءها في علاقة مؤذية أفضل من الانفصال، حفاظًا على صورتها أمام المجتمع.
وهذه النظرة لا تحمي الأسرة، بل قد تدفع المرأة إلى تحمل أذى متواصل خوفًا من أحكام الآخرين، بينما تكون الأولوية الحقيقية هي حماية الإنسان وصون كرامته.
المرأة المطلقة.. لماذا يدفع الضحية ثمن فشل العلاقة؟
تظهر ازدواجية المعايير بوضوح في نظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة. فقد تكون المرأة قد اضطرت إلى الانفصال بعد سنوات من العنف أو الإهانة أو استحالة استمرار الحياة الزوجية، لكنها تجد نفسها أمام محاكمة اجتماعية لا تقل قسوة عن المعاناة التي عاشتها داخل منزل الزوجية.
فبدلًا من مساندتها واحترام قرارها، تُحاصرها الأسئلة والاتهامات، وتُحمّل وحدها مسؤولية فشل العلاقة، وكأن الحفاظ على البيت واجب يقع على عاتقها مهما كان الثمن.
وفي المقابل، قد يُنظر إلى الرجل المطلق باعتباره خاض تجربة لم تنجح، ثم يستطيع البدء من جديد دون أن تلاحقه الأحكام الاجتماعية ذاتها.
وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا تُلام المرأة إذا فشل الزواج، حتى عندما تكون قد بذلت كل ما تستطيع للحفاظ عليه؟ ولماذا يُختزل نجاحها في استمرار علاقة قد تكون مؤذية، بينما لا يُقاس نجاح الرجل بالمعيار نفسه؟
إن الطلاق ليس وصمة عار، ولا دليلًا بالضرورة على فشل المرأة أو تقصيرها. فقد يكون قرار الانفصال بداية لاستعادة الأمان والكرامة، ومن حق المرأة أن تعيش حياة مستقرة بعيدًا عن العنف والإهانة، دون أن تتحول تجربتها الشخصية إلى مادة للتشهير أو الانتقاص منها.
الإسلام كرّم المرأة.. ولا قداسة لظلم تصنعه العادات
إن التعامل مع المرأة بهذه الصورة لا يمكن تبريره باسم الدين؛ فالإسلام أرسى مبادئ العدل والرحمة، وأكد حرمة الدماء، ورفض الظلم والاعتداء على الحقوق. كما أقر للمرأة حقوقًا في الميراث والملكية والتعلم والعمل، واعتبر العلاقة الزوجية قائمة على المودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف.
ولا يجوز أن نخلط بين تعاليم الدين الصحيحة وبين عادات اجتماعية اكتسبت مع الوقت حصانة زائفة، حتى أصبح البعض يدافع عنها وكأن مخالفتها خروج على الدين أو الأخلاق.
إن حماية الشرف لا تكون بقتل الفتيات، ولا بحرمانهن من التعليم، ولا بإجبارهن على الزواج، ولا بإجبار امرأة على البقاء في علاقة مؤذية، ولا باتهام ضحية التحرش بدلًا من محاسبة الجاني.
كما أن صيانة كرامة المرأة لا تعني إعفاءها من المسؤولية الأخلاقية أو القانونية، بل تعني أن تُطبق المعايير العادلة على الجميع، وأن يُحاسب كل إنسان على أفعاله دون تمييز بسبب الجنس أو المكانة الاجتماعية.
الخاتمة.. الشرف الحقيقي في العدل لا في الدماء
إن مواجهة هذه الظواهر لا تتطلب تغيير القوانين وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى تغيير الثقافة التي تبرر العنف، وتمنح المعتدي الأعذار، وتحمّل الضحية وزر ما تعرضت له.
نحتاج إلى تعليم يرسخ احترام الإنسان، وخطاب ديني واعٍ يميز بين صحيح الدين والموروثات الخاطئة، وإعلام يواجه الأفكار التي تشرعن التمييز، ومؤسسات قانونية تحمي النساء والفتيات وتضمن محاسبة مرتكبي الجرائم دون استثناء.
فلا يمكن بناء مجتمع سليم بينما تخشى الفتاة على حياتها بسبب شائعة، وتخشى المرأة على كرامتها إذا تعرضت للتحرش، وتخشى الزوجة طلب الانفصال من علاقة مؤذية، وتخشى المطلقة أحكام المجتمع أكثر مما تخشى المستقبل.
إن الشرف الحقيقي ليس في جسد المرأة، ولا في السيطرة عليها، ولا في فرض الوصاية على حياتها، وإنما في الأمانة والصدق والعدل واحترام الحقوق، وفي أن يمتلك الإنسان من الأخلاق ما يمنعه من ظلم غيره، خاصة من يملك سلطة أو قوة أكبر منه.
فلا شرف في القتل، ولا رجولة في العنف، ولا فضيلة في قهر المرأة. الشرف الحقيقي أن نصون الحياة، ونحمي الكرامة، ونقيم العدل، وألا نجعل من العادات سيفًا مسلطًا على رقاب الأبرياء.
Share this content:


