اموات على قيد الحياة

 

د/حامد أبو المجد

 

أقسى أنواع الموت ، ليس ذلك الذي يواريك فيه التراب ، بل هو أن تنبض بالحياة جسدياً ، بينما رُوحك وأحلامك قد أُعلنت وفاتها.

 

إنه الحالة التي يتحول فيها الإنسان إلى مجرد شبح، يمر عابراً في دنيا الآخرين . يراقب قطار الحياة وهو يمضي سريعا ، بينما يقف هو مكبلاً في محطته ، عاجزاً عن الحراك؛ مكسوراً بعجزٍ مادي يكبله ، وعجزٍ معنوي يطفئ شعلة الأمل في صدره .

 

يتسلل هذا الموت المعنوي إلى الإنسان عبر أبعاد نفسية واجتماعية مريرة ، تجعل من مجرد محاولة التمسك بالحياة جهداً يفوق طاقته .

 

١- سجن العجز المادي والمعنوي

 

عندما تلتف حبال الحاجة المادية حول عنق الطموح، يتحول اليوم إلى معركة شرسة لمجرد البقاء . يتوقف الإنسان عن التخطيط للمستقبل المبهم ، وتصبح أقصى أمانيه هي تدبير قوت يومه المعاد ، أو سداد التزاماته الأساسية.

 

يبدأ المرء بالتخلي عن أحلامه قطرة قطرة ؛ يترك شغفه ، يؤجل تعليمه ، أو يتخلى عن فكرة الزواج، أو مشروع كان يراه طوق نجاته.

 

يترافق هذا العجز المادي مع عجز معنوي أشد فتكاً، حيث يتسلل اليأس إلى النفس ، ويفقد الإنسان إيمانه بقدرته على التغيير ، ويصبح الاستسلام والانطفاء الداخلي هو الخيار الوحيد المتاح.

 

٢- الحقوق الضائعة في دهاليز البيروقراطية

 

لا يتوقف الموت المعنوي عند حدود العوز ، بل يمتد ليتغذى على شعور القهر ، وغياب العدالة الإجرائية. في هذا الواقع، يتجسد العجز في أبهى صوره عندما يخوض المواطن البسيط معركة قانونية لانتزاع حق بديهي ، فيجد نفسه محاصراً بين نصوص قانونية تمنحه الحق ، وآليات تنفيذية تستنزف رمقه الأخير.

 

إنها المفارقة الاجتماعية الصادم ، التي تدفع شخصاً فقيراً لأن يستقطع من قوت أولاده الزهيد ؛ ليدفعها لجهة رسمية، لمجرد تنفيذ حكم قضائي بالتعويض ، وهو يعلم أن ما أنفقه على الأوراق والتنقلات والرسوم ، قد يعادل قيمة التعويض نفسه!

 

هنا لا يصبح المال هو الهدف ، بل يتحول الأمر إلى معركة وجودية لانتزاع “اعتراف اجتماعي” بالكرامة والندية، و محاولة لكسر شعور المهانة والاستضعاف ؛ وكأن لسان حاله يقول: ” مازلت موجودا ، ولي حق معترف به ، حتى لو كلفني ذلك كل ما أملك”.

 

هذا القهر يتكرر يومياً في حياة الطبقة المتوسطة والكادحة؛ عندما يرفع معلم قضية لتعديل راتبه الأساسي، الذي تآكلت قيمته بفعل التضخم ، فيصطدم بجدار امتناع الجهات الإدارية عن التنفيذ لكسل الموظف ، أو لعدم وجود ميزانية. أو عندما يطالب برصيد اجازاته التي قضاها في العمل والكد، فلا يُصرف له منها إلا القليل بعد سنوات من المماطلة.

 

تلك الوعود المؤجلة والحقوق المبتورة ؛ تُشعر المواطن باغترابه في مجتمعه ؛ حيث تتجسد قلة الحيلة بين نص قانوني يمنحه الأمل على الورق ، وواقع بيروقراطي ينكره عليه في الحقيقة ؛ فيتحول السعي وراء الحق إلى مصيدة تستنزف طاقته المادية والمعنوية دون جدوى.

 

٣. مرارة المقارنة والعدالة الغائبة

 

تكتمل فصول هذه المأساة عندما يلتفت هذا الإنسان المنطفئ حوله ، فيرى من هم أقل منه وطنية وسَعياً، و ثقافة، وأمانة يرفلون في رغد العيش ، ويتمتعون بمباهج الحياة دون أن يتجرعوا مرارة هذا الركض الطويل.

 

تولّد هذه المقارنة شعوراً حارقاً بالظلم وعدم التكافؤ، وتبدأ النفس بالتساؤل المُر : “لماذا أنا ؟ أين الخلل؟ “، وهو تساؤل لا يبحث عن إجابة، بقدر ما يعبر عن# ورؤية الآخرين وهم يعيشون تفاصيل الفرح والراحة ، التي عجز هو عن تحقيقها ؛ تدفعه تدريجياً نحو العزلة الاختيارية؛ كراهيةً في أن يكون الشاهد البائس على حفلات نجاح الآخرين ، بينما هو غارق في عتمته.

 

٤. العيش في “منطقة الظل”

 

الموت وأنت حي يعني في النهاية : أنك ترى الأشياء ولا تلمسها ، وتسمع الضحكات ولا تشارك فيها. يصبح الجسد مجرد آلة تؤدي وظائف بيولوجية : تأكل ، تشرب ، وتنام كما الأنعام ، لكن الشغف غائب ، والتطلع للمستقبل منعدم.

 

إنها حالة من الصمت الداخلي ، يشبه صمت المقابر ، حيث لا أمل يُرجى ، ولا غد يُنتظر ، بعد أن تضافرت قلة الحيلة المادية مع قهر المجتمع؛ لتسلب الإنسان أثمن ما يملك : رغبته في الحياة.

 

٥- بصيص امل سيادي

 

رغم قتامة هذا المشهد البيروقراطي ، إلا أن نافذة الأمل تظل مفتوحة بتوجيهات القيادة السياسية والتشريعات المرتقبة. إن المواطن البسيط ، وهو يتجرع مرارة السعي خلف حق خفي ، يضع آماله اليوم بين يدي مجلس النواب ؛ لتبني تعديلات قانونية حاسمة؛ تعديلات تضمن تبسيط الإجراءات الإدارية ، وتضع حدًا لتعنت الجهات الإدارية ، وتجرم الامتناع عن تنفيذ الأحكام الصادرة لصالح المواطنين أو المماطلة فيها.

 

هذا الرهان الشعبي يستند بالأساس إلى ثقة مطلقة في فخامة رئيس الجمهورية ، الذي يبذل قصارى جهده ، ويحقق نجاحات مشهودة في إدارة الملفات الخارجية المعقدة لحماية أمن الوطن ومكانته ،

 

وهو بالتأكيد لن ينسى الجبهة الداخلية وأوجاع المواطن البسيط . فالقيادة التي تسعى لبناء “جمهورية جديدة” تدرك تماماً أن كرامة المواطن واسترداد حقه بيسر؛ هما الركيزة الأساسية للاستقرار الاجتماعي ، وأن تخفيف الأعباء الإدارية والمعنوية عن كاهل الموظف والكادح ؛ هو جزء لا يتجزأ من معركة التنمية والبناء.

 

إن إعادة الانضباط لمنظومة تنفيذ الأحكام وتعديل القوانين بما يتماشى مع واقع الناس، ليس مجرد إصلاح إداري، بل هو قبلة الحياة التي ستعيد للأرواح المنطفئة نبضها، وللمواطن إيمانه بأن حقه مصون ، وأن خلفه دولة وقيادة حكيمة لا تتركه وحيداً في مواجهة دهاليز البيروقراطية.

Share this content:

You May Have Missed