صناعة الأوهام وشيطنة السياسات وتوجيه العقول كيف تتحول الأزمات إلى أدوات للسيطرة على الشعوب

 

بقلم :أيمن بحر

 

لم تعد السيطرة على الشعوب فى العصر الحديث تعتمد فقط على القوة العسكرية أو الاحتلال المباشر أو فرض النفوذ بالقوة وإنما أصبحت هناك أدوات أكثر تعقيدا وخطورة تعتمد على صناعة الوعى وتوجيه الرأى العام والتحكم فى المعلومات واستغلال الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لتحقيق أهداف ومصالح قد لا يدرك المواطن العادي أبعادها الحقيقية

 

إن أخطر أنواع السيطرة ليست تلك التى تفرضها الجيوش على الأرض وإنما التي تبدأ بالسيطرة على العقول حيث يمكن صناعة صورة ذهنية لزعيم باعتباره المنقذ الوحيد أو تصوير دولة باعتبارها العدو المطلق أو تحويل شخصية سياسية إلى رمز للخلاص رغم أن الواقع قد يكون مختلفا تماما

 

وهنا تظهر خطورة صناعة الأوهام السياسية التي تعتمد على تكرار الرسائل الإعلامية وتضخيم الأحداث واختيار التوقيت المناسب لإطلاق حملات التأثير وتوجيه مشاعر الجماهير بما يخدم أجندات سياسية أو اقتصادية معينة

 

ففى عالم المصالح لا تتحرك الدول والمؤسسات الكبرى دائما بدوافع معلنة بل توجد حسابات استراتيجية واقتصادية ومنافسات على الأسواق ومصادر الطاقة والممرات التجارية ومناطق النفوذ ولذلك يصبح الوعي الشعبي أحد أهم خطوط الدفاع عن استقرار الدول وحماية مقدراتها

 

وتكشف التجارب الدولية أن الأزمات الاقتصادية عندما تدار بصورة خاطئة يمكن أن تتحول إلى مدخل خطير لإضعاف المجتمعات حيث يؤدي تراجع الإنتاج وارتفاع الديون وتعطل الاستثمارات وزيادة البطالة إلى اضطرابات اجتماعية قد تستغلها قوى سياسية أو مصالح خارجية لتوسيع نفوذها

 

وتقدم التجربة اللبنانية درسا مهما فى هذا السياق فقد عانى لبنان لسنوات طويلة من تراكم الاختلالات الاقتصادية والمالية والسياسية وتداخل الطائفية مع الفساد وضعف مؤسسات الدولة حتى وصل إلى واحدة من أعقد الأزمات المالية فى تاريخه الحديث

 

ولم يكن انهيار القطاع المصرفى وتراجع قيمة العملة وتآكل مدخرات المواطنين نتيجة عامل واحد أو قرار منفرد وإنما جاء نتيجة تراكم سياسات مالية واقتصادية خاطئة وغياب الإصلاحات المطلوبة وتضخم الدين العام وضعف الرقابة والمساءلة

 

وهذا يؤكد أن حماية الاقتصاد الوطني لا تتحقق بالشعارات وإنما ببناء مؤسسات قوية وشفافة وإدارة رشيدة للموارد وتشجيع الإنتاج والاستثمار وحماية أموال المواطنين من المخاطر

 

أما الجانب الأخطر في معركة النفوذ فيتمثل في استخدام الإعلام باعتباره سلاحا لتشكيل القناعات حيث يمكن للمعلومة المضللة إذا تكررت بصورة منظمة أن تتحول لدى البعض إلى حقيقة يصعب التشكيك فيها كما يمكن للشائعات أن تزرع الخوف وتفقد المواطنين الثقة في مؤسساتهم وتدفعهم إلى تبني مواقف مبنية على معلومات غير مكتملة

 

ومن هنا تصبح المسؤولية الوطنية والإعلامية ضرورة لا تقبل التهاون فليس كل ما ينتشر عبر مواقع التواصل حقيقة وليس كل شخصية تقدم باعتبارها بطلا أو منقذا تستحق هذه الصورة وليس كل أزمة تقف وراءها مؤامرة خارجية فقد تكون هناك أخطاء داخلية تستوجب الاعتراف والمحاسبة والإصلاح

 

إن الشعوب التي تمتلك الوعي والقدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها ورفض استغلال معاناتها لتحقيق مكاسب سياسية أو مالية

 

ومصر بما تمتلكه من موقع استراتيجي وثقل إقليمي ومقدرات اقتصادية وبشرية تحتاج دائما إلى تعزيز الوعي الوطني وترسيخ الثقة القائمة على الحقائق والإنجاز والعمل والمحاسبة فالأمن القومي لا تحميه القوة العسكرية وحدها وإنما تحميه أيضا قوة الاقتصاد وتماسك المجتمع ووعي المواطن وقدرة مؤسسات الدولة على مواجهة التحديات

 

إن معركة الوعي الحقيقية تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن تصديق كل ما يسمعه ويبدأ في البحث عن الدليل وعندما يفرق بين النقد الوطني المسؤول ومحاولات التشويه وبين الاختلاف السياسي ومحاولات هدم الثقة وبين الحقائق المثبتة والروايات التي لا تستند إلى مصادر موثوقة

 

فلا تصنعوا آلهة من البشر ولا تحولوا أصحاب المصالح إلى أبطال ولا تسمحوا لأحد أن يستغل أزمات الشعوب ليتاجر بآلامها فالدول لا تسقط فقط عندما تضعف جيوشها وإنما قد تبدأ رحلة انهيارها عندما يغيب الوعي وتضيع الحقيقة وتصبح العقول أسيرة للشائعات والتبعية

 

إن أخطر احتلال هو احتلال العقول وأقوى مقاومة له هى الوعي والمعرفة والتمسك بالحقيقة

Share this content:

You May Have Missed