أضرار القمار

 

بقلم محمد الدكروري

إن للقمار أضرارا عظيمة منها أنه سبب في نشر العداوة والبغضاء بين المتقامرين، الذين قلما ينتهي لعبهم سالما من الخصومات والمشاجرات، وربما المقاتلة، فقال تعالى فى كتابه العزيز ” إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون” فكم مقامرا قتل خصمه بسبب خلاف حول طريقة اللعب؟ وكم زوجا أحرق زوجته، لأنها أبت أن يقامر بمالها بعد أن استنفد ماله، أو بسبب رفضها جعل بيتها وكرا لأصدقائه المقامرين؟ وأيضا هو سبب للتهاون في أداء الواجبات والعبادات، كالصلاة، وذكر الله، وطاعة الوالدين فقال تعالى ” ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة” وأيضا هو سبب في الانتقال من الغنى إلى الفقر.

وقد يحصل ذلك في ليلة واحدة، ومنهم من يستدين بعد غنى، مما يسبب قلقا، وتفككا أسريا، وتذمرا، واكتئابا، وانزواء، وهزالا، وهو أيضا دعوة إلى التكاسل والتواكل، وإضعاف القوة العقلية، بترك الأعمال المفيدة، واتخاذ الأسباب الشرعية لتحصيل المال، كالتجارة، والفلاحة، والصناعة وغيرها، مع الاستسلام لخطوات الشيطان، الذى يداعب أحلام المقامرين بالغنى الفاحش، مقابل دفع مبالغ زهيدة، وهو أيضا سبب لانتشار الأزمات النفسية، وارتفاع الضغط، بسبب السهر، والأرق، وكثرة الانفعالات والتوترات النفسية، والصدمات العصبية، والخوف من الإفلاس، وشدة الألم عند ضياع المال، مما يؤدي إلى الشيخوخة المبكرة، ويولد اليأس والإحباط، وربما الانتحار، وكم كان القمار سببا في أمراض القلب والشرايين.

وانفجار الأوعية الدماغية المفاجئة، والإصابة بالشلل والفالَج، وهكذا القمار وخطورته، وموقف الإسلام الشديد في تحريمه، لما يسببه من أكل للمال بالباطل، ومن شقاق ونزاع بين الناس، وما يورث صاحبه من توترات واضطرابات، قد تصل إلى أمراض عصبية خطيرة، وأن القمار عندنا تحركه أياد خفية، تريد تطبيع المسلمين معه، وجعله ظاهرة متفشية، تتكسر عندها كل دعوة للشجب والإنكار، وأيضا فإن هناك ظاهرة تؤرق الغيورين المجتهدين في التغيير، وتؤرق الاقتصاديين التواقين إلى الاستثمار الحلال للأموال، وتؤرق السياسيين الذين يعملون لإيجاد مخرج من مأزق هذه الآفة الخطيرة، التي أصبحت عندنا أخطبوطا يتنامى يوما عن يوم، كلما حاول أصحاب النوايا الحسنة محاربته.

كلما ازداد شراسة وضراوة، حتى صار واقعا يوميا، في الإدارات العمومية، والخاصة، وفي معظم المصالح التي أنشئت لخدمة المواطن، حتى قيل بأنها أقدم مهنة في البلاد، إنها الرشوة، التي أَرّقت العالم، فجعل لها يوم عالمى، ومع ذلك، لا تزيد الرشوة إلا استفحالا، متخذة طرقا جديدة، ووسائل فيها من المكر والخبث، ما جعل أصحابها في مأمن من المحاسبة، نعم، المحاسبة التي كانت في الإسلام مبدأ عظيما للحفاظ على المال العام والخاص، فقد استعمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبو هريرة رضي الله عنه على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر “استأثرت بهذه الأموال، فمن أين هذا ؟” قَال “خيل نتجت، وغلة رقيق لى، وأعطية تتابعت علي” قال ابن سيرين ” فنظروا، فوجدوه كما قال” فلما كان بعد ذلك، دعاه عمر ليستعمله، فأبى أن يعمل له.

فقال له عمر” تكره العمل وقد طلبه من كان خيرا منك؟ طلبه يوسف عليه السلام؟” فقال أبو هريرة رضي الله عنه”إن يوسف نبي، ابن نبي، ابن نبي، ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، أو يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضى” فهكذا كان الأمين على أموال المسلمين يسأل عن سبب ثراء موظفيه، وهكذا كان الموظفون يستقيلون من وظائفهم، إذا علموا أن أصابع الشك قد تشير إليهم، وإمعانا في الاحتياط من استغلال النفوذ، قال العلماء “لا ينبغي للقاضي أن يتولى الشراء لنفسه، خشية المحاباة، ولا يشترى له من يُعلم أنه من طرفه، حفاظا على القاضي من ريبة الرشوة”

Share this content:

You May Have Missed