التنقلات الزمانية والمكانية في الحج

بقلم محمد الدكروري

إن للحج أيام وفي أيامه أعمال، ففي أوله الإحرام، ثم الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ثم الإنتقال في اليوم الثامن إلى مِنى، والمبيت بها ليلة التاسع، والمسير إلى عرفة

في صُبحها، والوقوف بها إلى مغيب الشمس، ثم المبيت بمزدلفة ليلة النحر،

والرمي والحلق والنحر، والتحلل والطواف بالبيت يوم العيد، ثم العودة إلى مِنى للمبيت بها

ورمي الجمار، إلى أن يودع البيت بالطواف في آخر حجه، وكل هذه التنقلات الزمانية والمكانية

في الحج تذكر المؤمن بإنتقاله من زمن إلى زمن في مرضاة الله تعالى ومن طاعة إلى طاعة، فمن صابر على الطاعات ومُجانبة المحرّمات، فهو مرابط على عهده لله تعالى محقق لقوله سبحانه وتعالى ” يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون” والحاج يعمل في منسكه عملا كثيرا، ويتحمل مشقة كبيرة، ومع ذلك يتم المناسك المأمور بها،

وينبغي أن يكون المؤمن على الدوام.

في إتمام الطاعات، ولا تقارن مشقة أعمال الحج، وهو سفر وترحال، وزحام وكثرة تنقل،

لا تقارن بالعبادات الأخرى التي يقوم بها المؤمن حال إقامته، فكيف يقدر كثير من الناس

على مناسك الحج، ولا يقدرون على الإلتزام بالطاعة على الدوام وهي أهون من الحج؟

وكيف يحبسون أنفسهم عن محظورات الإحرام حال تلبّسهم به وفي حبسهم لها من الرهق

ما فيه، ولا يقدرون على ما هو أيسر من ذلك

وهو مجانبة سائر المحرمات التي جعل الله تعالى في المباحات ما يغني عنها؟

فلقد جعل الله تعالى الكعبة قبلة للمسلمين، واختار الله لها البلد الأمين،

وشرفه بأن أقسم به في كتابه، فقال تعالى “وهذا البلد الأمين” وقال “لا أقسم بهذا البلد “

وجعله حرما آمنا لا يسفك فيه دم، ولا يروع فيه مسلم، ولا ينفر له صيد، ولا تلتقط لقطته إلا للتعريف، وجعل الحج المبرور ماحيا للذنوب والخطايا،

موجبا لدخول الجنة بسلام، ففي الصحيحين.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم “من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه” وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم “إن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف في غيره” وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم “تعجلوا إلى الحج، يعني الفريضة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة” رواه أحمد وابن ماجه، وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت “قلت يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال “نعم عليهن جهاد ولا قتال فيه الحج والعمرة” رواه أحمد وابن ماجه، وعن الحسن رضي الله عنه قال، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

“لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين” وعن سعيد بن جبير “ولو علمت رجلا غنيا وجب عليه الحج، ثم مات قبل أن يحج ما صليت عليه، وكان بعضهم له جار موسر فمات ولم يحج فلم يصل عليه” وإعلموا عباد الله أن رحلة الحج تذكر من تيسرت له سيره إلى الله سبحانه وتعالى وإن مشهد الحجيج وهم محرمون بالنسك وينتقلون في مناسكهم من مشعر إلى آخر إلى انتهائهم من مناسكهم، ليذكر من يراهم بسير الليالي والأيام بالناس إلى قبورهم، وإن للدنيا بداية ولها نهاية، وبدايتها منذ ولادة الإنسان، وتنتهي بموته لينتقل إلى دار أخرى، والحاج حين ينتقل من بلده إلى الحج، فهو يخلع ملابسه ليعيش حياة جديدة بالنسك، لها خصائصها ولباسها وأعمالها، والإنسان في الدنيا عبد لله تعالى، شاء أم أبى، والمؤمن قد رضي بعبوديته لله تعالى.

ومقتضى قبوله بها يلزمه بواجبات يفعلها، ومنهيّات يجتنبها، وحدود يقف عندها، والحاج حين يتلبس بإحرامه، فقد ألزم نفسه بمناسكه، وأعلن التزامه بها حين قال لبّيك اللهم لبيك أي اتجبت لك يا رب، وعليه أركان وواجبات لا بد من أدائها، ومحظورات لا بد من إجتنابها ما دام متلبسا بالإحرام، فهذا الالتزام بفعل أركان الحج وواجباته، وإجتناب محظوراته، هو تربية للمؤمن على الإلتزام الدائم بفعل الطاعات ومجانبة المحرمات فإن من قدر على أداء مناسك الحج وتعظيم شعائره، فهو قادر على الإلتزام بتعظيم حرمات الله تعالى في كل زمان ومكان، والمحافظة على أوامره، ومن منع نفسه أثناء إحرامه مما هو مباح له قبل الإحرام، فهو قادر على منع نفسه من المحرّمات طيلة عمره.

Share this content:

You May Have Missed