الدنيا هي الوسيلة للغاية النبيلة
بقلم محمد الدكروري
إن الحياة الدنيا هى القنطرة للدار الآخرة، وهى الوسيلة للغاية النبيلة، وإن الحياة فانية،
وعمر الإنسان مهما طال فهو قصير، ولقد كانت الآداب والقيم، هما السمة البارزة،
في سيرة الرعيل الأول من سلف هذه الأمة، فقد أولوها إهتمامهم قولا وعملا وسلوكا وتصرفا،
بل كان النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، يهذب الجيل إذا ما وقعوا فيما يناقض الذوق والأدب، ويقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما “كان الناس يتعلمون الأدب قبل العلم” وقال عبد الله بن المبارك “نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم” فكان هذا دأبهم وديدنهم، لذا حازوا الأدب العالى والذوق الرفيع والعلم الوفير، فكانوا أحسن الناس أخلاقا، وأرفعهم أذواقا، وأكثرهم ندى، وأبعدهم عن الأذى، وإن دين الإسلام الحنيف، هو دين تكافل وتراحم،
وهو دين تعاطف وشفقة، وهو دين معاملة وإحسان، وقد عمل على ذلك أولو العزائم، من السلف الكريم، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فدانت لهم الدنيا، وتحطمت تحت أقدامهم تيجان الجبابرة من أقاصرة وأكاسرة، وملكوا أزمة الأمور، فكانت الشدة منهم على الكافرين، وكانت الرحمة والشفقة بينهم، مثلا للعادلين والمتأسّين،
وإن الدين الإسلامى في مجموعه هو وحدة متماسكة الأطراف، محكمة العُرى، تؤلف بين جملة من الحقوق، وإن الأخذ بها في مجموعها أمر لا مندوحة عنه، ولقد ذكرت الآيات القرآنية في مواضع كثيره ما أعطاه الله عز وجل لنبيه المصطفي صلي الله عليه وسلم، فما تخطئ عين قارئ القرآن تلك المواضع التي يعطي الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ما يتمنى، ومواضع أخرى يصل فيها الخطاب القرآني إلى أعماق نفسه صلى الله عليه وسلم فيراعي مشاعره، ويطيب خاطره، ويعزيه، وكل ذلك ما كان ليقع إلا لعلو شأنه صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما جاء في قصة استقبال الكعبة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه إلى الكعبة، وكانت القبلة حينها بيت المقدس، فكان يقلب طرفه في السماء.
ونفسه تهفو إلى إستقبال الكعبة، فنزلت الآيات على ما يتمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك أيضا ما جاء في قصة تأخر الوحي، إذ قالت له امرأة مشركة ما أرى ربك إلا قد تركك حتى وجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه من تلك الكلمة ما وجد، فنزلت سورة كاملة تطيب خاطره، وتسكن نفسه صلى الله عليه وسلم وكان أسلوب تلك السورة عجيبا حقا، فقد أقسم الله له أنه ما هجره، فالله تعالى قد عودك الجميل يا محمد فقس على ما قد مضى، ومن ذلك أيضا ما جاء في قصة النفر الذين استأنسوا بمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطالوا المكث فيه حتى تأذى النبي صلى الله عليه وسلم من طول مكثهم، ولشدة حيائه استحى أن يقول لهم قوموا أو اخرجوا، فنزلت آيات تأمر الصحابة رضي الله عنهم بعدم المكث عنده فوق الحاجة، وإذا أردت مواضع هي ألطف وأدق في الدلالة على مكانته صلى الله عليه وسلم فتتبع مواضع العتاب التي هي مظان الشدة في الخطاب.
فتجد عامة تلك المواضع عذبة الأسلوب، حانية الخطاب من تلك المواضع ما جاء في قصة إذنه صلى الله عليه وسلم للمنافقين، فنزل العتاب مفتتحا بالعفو تطمينا لقلبه صلى الله عليه وسلم ومن تلك المواضع أيضا ما جاء في قصة إعراضه صلى الله عليه وسلم عن الأعمى لانشغاله بدعوة كفار قريش، فجاء العتاب مفتتحا بعتاب الغائب إعلاء لشأنه صلى الله عليه وسلم وهذا من أعذب المواضع في العتاب وأرقها، فإذا تدبرت القرآن، وقر في قلبك أن الذي يخاطبه بهذا الأسلوب هو الله عز وجل وتبين لك ما ينبغي على المسلم أن يحمله من إجلال وتوقير لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وإن الأخوة هى لحمة المجتمع التي جعلت لبنته قوية، فقال صلى الله عليه وسلم ” مثل المؤمنين في توادهمم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” رواه البخاري ومسلم، فنمى الإسلام روح التعاون والبذل والإنفاق ومساعدة المحتاجين.
فقال تعالى فى سورة البقرة ” مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبه، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم” وفى سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يحض على أنواع البر والخير كالسير في حوائج الناس ورفع الظلم عنهم والمطالبة بحقوقهم وتيسير عسرهم وتنفيس كربهم وكفالة أيتامهم ورعاية أراملهم، وإيواء مشرديهم وإطعام الجائعين منهم، ومن ذلك ما رواه بن عمر رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن لله عز وجل خلقا خلقهم لحوائج الناس، يفرغ الناس إليهم فى حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله ” فإن الوصية بتقوى الله عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله ولزوم طاعته، فخير ما يوصي به المسلم أخاه أن يتقي ربه ومولاه، وأُحذركم ونفسي المقصرة من مخالفته وعصيان أوامره.
Share this content:


