أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا

بقلم محمد الدكروري

قال الله تعالى ” إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا” ومعنى للذى ببكة لأنها تبك أعناق من يريد الشر بها، كما فعل الله بأبرهة، وكذلك سماه البيت العتيق لقدمه، ولأن الله أعتقه من الجبابرة، ولكن كم من بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى؟ أربعون سنة، كلاهما بناهما الخليل إبراهيم عليه السلام، والمسجد حول الكعبة له أحكام عظيمة فهو تضاعف فيه الصلوات، وكل صلاة مشروعة في المسجد تضاعف فيه أكثر من مائة ألف، لمن أخلص لله تعالى، فصلاة الفريضة، وتحية المسجد، ركعتا الطواف، صلاة الجنازة، صلاة العيدين، والكسوف، كل بلدن العالم السنة في صلاة العيد أن يخرجوا إلى صحراء قريبة من البلد، إلا مكة، قال الشافعي رحمه الله “يصلون في الحرم في المسجد الحرام، ولا يخرجون إلى صحراء قريبة من البلد” وإن الحرم هو الذي حرمه الله، فلا يجوز الصيد فيه، ولا تنفير الصيد، أو تخويف حمامة، ولا يجوز قتل جرادة، لا يجوز لأن الجراد من الصيد.
أو قلع شجر الحرم، لا يجوز، ولقطة الحرم، لا تلتقط إلا لمعرف، ولا يجوز تملكها أبدا، وإذا ما وجد صاحبها فلبيت مال المسلمين، وإن بيت الله الحرام له أحكام عظيمة فهذا الحرم قد تكفل به الله عز وجل ووضع له حدودا، وإذا تكلمنا عن أماكن الإحرام التي تحرم منها حتي تدخل إلي بيت الله الحرام، فهي ليس بمسافات واحدة من الكعبة، فأقرب نقطة من الحل إلى الكعبة وهى التنعيم، ستة كيلو تقريبا، والجعرانة، شرقا ستة عشر كيلو، والشميسي، غربا جهة جدة خمسة عشر كيلو، وادي نخلة، جهة الطائف أربعة عشر كيلو، وهكذا، هذا الحرم له علامات، هذا الحرم لا يدخله مشرك، لا خادمة، ولا غيرها، فقال الله تعالى ” إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا” والمقصود هو منطقة الحرام، وليس أي أحد في العالم يريد أن يأتي بحج أو عمرة، يأتي كما هو، لا يقترب من مكة أصلا إلا وهو في قمة التواضع، كاشفا رأسه، متجردا من المخيط، بلا طيب.
يلبس الرداء والإزار، يذكرانه بالآخرة، وما يخرجه به من الدنيا الكفن، من أين؟ من المواقيت، من بعيد، وإن أقرب ميقات وهو قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد ثمانية وسبعين كيلو تقريبا، وأبعد ميقات وهو ذو الحليفة، وهو ميقات اهل المدينة وهو أربعمائة كيلو تقريبا، وميقات الجحفة ويحرم الناس من مائة وستة وثمانين كيلو تقريبا، وميقات يلملم لأهل اليمن والجنوب مائة وعشرين كيلو تقريبا وهكذا، والمواقيت ليست على مسافة واحدة من الكعبة أيضا، ولكنها الدائرة بعد الحرم، وبعد ذلك كل أنحاء العالم، فقال الله تعالى ” ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام” فيجب على كل الناس في العالم إذا صلوا إلى الكعبة، ولا يجوز استقبال القبلة، ولا استدبارها ببول ولا غائط، وقال صلى الله عليه وسلم “من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه” وقال بعض العلماء هو في الصلاة، وقال بعضهم، كما قال النووى” حتى خارج الصلاة، جهة القبلة والكعبة محترمة جدا في الشريعة”
وسيبقى هذا البيت يُحج ويُعتمر بعد يأجوج ومأجوج، كما قال صلى الله عليه وسلم “ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج” وسيبقى لهذا المكان شرفه وفضله، فأمنوه ، واعتنوا بأمنه، واعتنوا بجلب الرزق إليه، واعتنوا بمعاونة الحجاج والعمار على أن يأتوه لأن الله يريد هذا، استمتعوا من هذا البيت كما قال صلى الله عليه وسلم” والله يغار على بيته” ولذلك أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، بعد المسيح ابن مريم، وبعد يأجوج ومأجوج، يرسل الله ريحا، فتقبض أرواح المؤمنين، ويبقى شرار الناس، يتدرجون في الجهل لدرجة أن يصلوا إلى وقت لا يُعرف فيه التوحيد، ولا يوجد في الأرض من يقول الله، الله، وبالتالي لا حج ولا عمرة، فيغار الله على بيته، إذا صار خلوا معطلا، فلا يبقيه هكذا، قال صلى الله عليه وسلم “ولن يستحل البيت الا أهله، فإذا استحلوه فلا يسأل عن هلكة العرب” يعني بعدها سيفنون سريعا، ثم يبعث الله ذا السويقتين من الحبشة، فيخربه حجرا حجرا.
وعند ذلك تقوم الساعة، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات، الحمد لله الذي علم العثرات، فسترها على أهلها وأنزل الرحمات، ثم غفرها لهم ومحا السيئات، فله الحمد ملء خزائن البركات، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات، وله الحمد ما تعاقبت الخطوات، وله الحمد عدد حبات الرمال في الفلوات، وعدد ذرات الهواء في الأرض والسماوات، وعدد الحركات والسكنات، وهو الله لا مفرّج للكربات إلا هو، ولا مقيل للعثرات إلا هو، ولا مدبر للملكوت إلا هو، ولا سامع للأصوات إلا هو، ما نزل غيث إلا بمداد حكمته، وما إنتصر دين إلا بمداد عزته، وما إقشعرت القلوب إلا من عظمته، وما سقط حجر من جبل إلا من خشيته.

Share this content:

You May Have Missed