فيلُ أبرهة… وفيلُ العصر

بقلم أشرف ضلع

حين جاء الفيل في قصة أبرهة، لم يكن مجرد حيوان ضخم يسير في مقدمة جيشٍ أراد هدم الكعبة؛ كان رمزًا لقوةٍ ظنت أن الضخامة تصنع النصر، وأن الجدران المقدسة يمكن أن تسقط أمام بطشها. لكن الفيل توقف،

وعجز عن التقدم نحو البيت الحرام، وجاءت الطير بأمر الله، لتبقى الكعبة شامخة، ويبقى في التاريخ درسٌ خالد: ليست كل قوةٍ قادرة على الهدم، ولا كل ضخامةٍ تصنع الغلبة.
لكن الفيل لم ينقرض تمامًا.

لقد تغيّر شكله، وتبدلت أنيابه، وانتقل من ساحة المعركة إلى شاشات البيوت والهواتف. فيلُ اليوم لا يحاول هدم الكعبة، لكنه يحاول هدم شيءٍ أخطر في حياة الإنسان: أخلاقه.
إنه فيلٌ جديد تتقدمه وسائل الإعلام حين تتحول من صناعة الوعي إلى صناعة التقليد، وتتقدم معه بعض منصات الإنترنت حين تجعل الشهرة معيارًا للقيمة، ويأتي خلفه جيشٌ من النجوم والمشاهير، فيتحول بعضهم من أصحاب موهبة إلى نماذج تُقلَّد في المظهر والسلوك والكلام، دون أن يسأل أحد: ماذا نقدم لأبنائنا حين نجعل الشهرة أهم من الأخلاق؟
لقد أصبح الطفل أحيانًا يعرف أسماء المشاهير أكثر مما يعرف أسماء العلماء، ويحفظ تفاصيل حياة النجوم أكثر مما يحفظ سيرة العظماء. وقد يرى شابٌ شخصًا اشتهر بمحتوى فارغ، فيظن أن طريق النجاح يمر عبر الصخب، وأن عدد المتابعين شهادةُ تفوق، وأن إثارة الجدل إنجاز، وأن تقليد الآخرين هو أقصر الطرق إلى صناعة الذات.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
فالكعبة لم يستطع فيل أبرهة أن يهدمها، لأن الله حفظ بيته، لكن الأخلاق لا يحفظها الحجر وحده؛ يحفظها البيت، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع، والقدوة. وإذا تركنا عقول أبنائنا نهبًا لكل ما تعرضه الشاشات، فقد نستيقظ ذات يوم لنجد أن الجدران ما زالت قائمة، لكن القيم التي كانت تسكن خلفها قد تصدعت.
المشكلة ليست في الإعلام كله، ولا في الإنترنت كله، ولا في النجوم جميعًا؛ فهذه الأدوات يمكن أن تكون منابر للعلم والثقافة والإبداع، ويمكن أن تصنع جيلًا أكثر معرفة واتصالًا بالعالم. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى معلّمٍ بلا منهج، وقدوةٍ بلا مسؤولية، وشهرةٍ بلا أخلاق.
إننا لا نحتاج إلى أن نحارب العصر، بل إلى أن نعلّم أبناءنا كيف يعيشون فيه دون أن يبتلعهم.
نحتاج إلى إعلامٍ يعرف أن الكلمة مسؤولية، وإلى محتوى يرفع الذوق بدل أن يهبط به، وإلى نجوم يدركون أن الشهرة ليست امتيازًا فقط، بل أمانة. ونحتاج قبل ذلك كله إلى أسرةٍ تقول لأبنائها: ليس كل مشهور قدوة، وليس كل منتشر يستحق التقليد، وليس كل ما تراه عينك يستحق أن يسكن قلبك وعقلك.
كان فيل أبرهة يريد هدم بيتٍ من حجارة، فعجز.
أما فيل العصر فيحاول هدم بيتٍ من قيم داخل الإنسان: الحياء، والاحترام، والصدق، والانتماء، والرحمة، وحسن الاختيار.
فاحذروا الفيل الجديد…
فهو لا يأتيكم في هيئة جيش، ولا يطرق أبوابكم بصوتٍ مرتفع؛
قد يأتيكم في شاشة صغيرة، أو مقطعٍ قصير، أو قدوةٍ مصنوعة بعناية.
والأخطر أنه لا يهدم الأخلاق دفعةً واحدة…
إنه يهدمها إعجابًا بعد إعجاب، وتقليدًا بعد تقليد، حتى يصبح ما كان مستنكرًا بالأمس عاديًا اليوم، ثم يصبح غدًا شيئًا يُحتذى.
وهنا لا بد أن نرفع راية الوعي قبل أن نرفع راية الندم.
فإذا كان الله قد حفظ الكعبة من فيلٍ أراد هدمها، فعلينا أن نحفظ أبناءنا من فيلٍ يريد هدم أخلاقهم.

Share this content:

You May Have Missed