النينيو الخارق والذكاء الاصطناعي.. هل دخل العالم عصر التنبؤ بالكوارث المناخية قبل وقوعها؟

بقلم: د. رشا ربيع الجزار

لم تعد قضية التغيرات المناخية مجرد نقاش حول ارتفاع درجات الحرارة أو ذوبان الجليد، بل تحولت إلى سؤال أكثر إلحاحًا: هل أصبح بإمكاننا التنبؤ بالخطر المناخي قبل أن يتحول إلى كارثة؟
هذا السؤال يكتسب أهمية استثنائية في عام 2026، مع تصاعد التحذيرات من ظاهرة «إل نينيو» قوية جدًا خلال خريف وشتاء هذا العام. وتشير أحدث توقعات المركز الأمريكي للتنبؤات المناخية إلى احتمال يتجاوز 90% لحدوث نينيو شديد القوة، في حين تتزايد المخاوف من انعكاساته على أنماط الأمطار ودرجات الحرارة والجفاف والفيضانات والزراعة.
لكن المفاجأة العلمية الأهم ليست في عودة النينيو وحدها، وإنما في السؤال الذي أصبح يفرض نفسه: هل يتغير النينيو نفسه تحت تأثير الاحترار العالمي؟
تشير دراسة حديثة إلى أن ظواهر النينيو أصبحت أكثر شدة وتقلبًا في العقود الأخيرة، مع وجود أدلة على ارتباط هذا التغير بالاحترار الناتج عن النشاط البشري واستخدام الوقود الأحفوري. وهو ما يجعلنا أمام علاقة متبادلة: الاحتباس الحراري يرفع حرارة النظام المناخي، والنينيو القوي يمكن أن يضيف مزيدًا من الحرارة والاضطرابات إلى هذا النظام.
وهنا تنتقل القضية من «تغير المناخ» إلى «إدارة مخاطر المناخ».
فالتحدي لم يعد فقط في خفض الانبعاثات، رغم أن ذلك يظل ضرورة أساسية، وإنما في بناء مجتمعات قادرة على التنبؤ والاستعداد والاستجابة. وهذا يعني تطوير أنظمة إنذار مبكر، وإدارة أكثر ذكاءً للمياه والطاقة والغذاء، وتحديث خطط المدن والبنية التحتية، وربط المعلومات المناخية بالتخطيط الاستراتيجي وصنع القرار.
وفي هذه النقطة تحديدًا يظهر الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم أدوات المستقبل.
فالخوارزميات الحديثة تستطيع تحليل كميات ضخمة من بيانات الأقمار الصناعية، ودرجات حرارة المحيطات، وأنماط الرياح والأمطار، وسجلات الكوارث السابقة، ثم استخدامها في بناء نماذج تساعد على اكتشاف الأنماط والتنبؤ بالسيناريوهات المحتملة.
وبذلك يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تقنية إلى أداة استشراف مناخي تساعد صانع القرار على الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق.
لكن علينا ألا ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره «حلًا سحريًا» لأزمة المناخ؛ فهذه التكنولوجيا نفسها تحتاج إلى طاقة ومراكز بيانات وبنية تحتية، ولذلك فإن السؤال الأكثر نضجًا ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي في مواجهة تغير المناخ؟
بل:
كيف نستخدم ذكاءً اصطناعيًا أكثر كفاءة واستدامة لخدمة مستقبل مناخي أكثر أمانًا؟
وتأتي أهمية هذا السؤال في ظل حقيقة أكثر اتساعًا: فقد أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الفترة من 2015 إلى 2025 تمثل أحر 11 عامًا في سجل الرصد، وأن عام 2025 كان ثاني أو ثالث أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق، مع استمرار تأثير موجات الحر والأمطار الغزيرة والأعاصير وغيرها من الظواهر المتطرفة على المجتمعات والاقتصادات.
إذن، نحن لا نتعامل مع أزمة مستقبلية بعيدة، وإنما مع واقع مناخي يتشكل أمام أعيننا.
ومن هنا يصبح التعليم جزءًا أساسيًا من المعادلة؛ لأن مواجهة المناخ لا تحتاج فقط إلى علماء ومهندسين وصناع قرار، وإنما تحتاج إلى جيل يمتلك القدرة على التفكير التنبؤي، وقراءة المؤشرات، وتحليل السيناريوهات، وفهم العلاقة بين الإنسان والبيئة والتكنولوجيا.
فإذا كان القرن الماضي قد علّمنا كيف نفهم ما حدث، فإن القرن الحالي يفرض علينا أن نتعلم كيف نتوقع ما قد يحدث.
وربما تكون المعركة الحقيقية في السنوات القادمة ليست بين الإنسان والمناخ، وإنما بين الاستعداد وعدم الاستعداد.
فالمناخ قد يحمل لنا الخطر، لكن العلم يستطيع أن يمنحنا الإنذار، والتخطيط يستطيع أن يمنحنا الاستعداد، والذكاء الاصطناعي قد يمنحنا قدرة أكبر على رؤية المستقبل قبل أن يصل إلينا.
وهنا يصبح السؤال الأهم:
هل ننتظر الكارثة لكي نتحرك؟
أم نستخدم العلم والذكاء الاصطناعي والتخطيط الاستراتيجي لكي نسبقها بخطوة؟
النينيو الخارق والذكاء الاصطناعي.. هل دخل العالم عصر التنبؤ بالكوارث المناخية قبل وقوعها؟

Share this content:

You May Have Missed