منهج الإمام محمد الطبري
بقلم محمد الدكروري
ذكرت المصادر التاريخية الكثير والكثير عن الإمام الطبري وهو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الشهير بالإمام أبو جعفر الطبري، وقيل عن منهج الإمام الطبري باختصار
هو تفسير ذو منهج خاص، يذكر الآية أو الآيات من القرآن، ثم يعقبها بذكر أشهر الأقوال التي أثرت عن الصحابة والتابعين من سلف الأمة في تفسيرها، ثم يورد بعد ذلك روايات أخرى متفاوتة الدرجة في الثقة والقوة في الآية كلها أو في بعض أجزائها بناء على خلاف في القراءة أو اختلاف في التأويل، ثم يعقب على كل ذلك بالترجيح بين الروايات واختيار أولاها بالتقدمة، وأحقها بالإيثار، ثم ينتقل إلى آية أخرى فينهج نفس النهج عارضا ثم ناقدا ثم مرجحا، وهو إذ ينقد أو يرجح يرد النقد أو الترجيح إلى مقاييس تاريخية من حال رجال السند في القوة والضعف.
أو إلى مقاييس علمية وفنية من الاحتكام إلى اللغة التي نزل بها الكتاب، نصوصها وأقوال شعرائها، ومن نقد القراءة وتوثيقها أو تضعيفها، ومن رجوع إلى ما تقرر بين العلماء من أصول العقائد، أو أصول الأحكام، أو غيرهما من ضروب المعارف التي أحاط بها ابن جرير، وجمع فيها مادة لم تجتمع لكثير من غيره من كبار علماء عصره، وتمتع الإمام الطبري رحمه الله تعالى بمواهب فطرية متميزة، جبله الله الكريم عليها، وتفضل عليه بها، كما حفلت حياته بمجموعة من الصفات الحميدة، والأخلاق الفاضلة، والسيرة المشرفة، وإن كثيرا من صفات الإنسان تكون هبة من الله جل جلاله، وعطاء مباركا من الخالق البارئ، ولا دخل للإنسان فيها، والله يختص برحمته من يشاء، ويفضل بعض الناس على بعض.
ويرزق المواهب الخاصة لمن يشاء من عباده، وأما عن الورع والزهد فإن هاتان الصفتان من فضائل الأخلاق، ومن أشد الصفات التي يجب أن يتحلى بها العالم والداعية، والمربي والإمام، وكان الطبري رحمه الله على جانب كبير من الورع والزهد والحذر من الحرام، وكان الطبري رحمه الله عفيف اللسان، يحفظه عن كل إيذاء لأن فعل اللسان قد يتجاوز في بعض الأحيان اللسان، ولأن جرح السيف قد يُشفى ويبرأ، ولكن هيهات أن يُشفى جرح اللسان، وكان الطبري متوقفا عن الأخلاق التي لا تليق بأهل العلم ولا يؤثرها إلى أن مات، ولما كان يناظر مرة داود بن علي الظاهري في مسألة، فوقف الكلام على داود، فشق ذلك على أصحابه، فقام رجل منهم، وتكلم بكلمة مضة وموجعة لأبي جعفر، فأعرض عنه، ولم يرد عليه.
وترفع عن جوابه، وقام من المجلس، وصنف كتابا في هذه المسألة والمناظرة، وكان الطبري عفيف النفس أكثر من ذلك، فهو مع زهده لا يسأل أحدا، مهما ضاقت به النوائب، ويعف عن أموال الناس، ويترفع عن العطايا، وكان الطبري شديد التواضع لأصحابه وزواره وطلابه، دون أن يتكبر بمكانته، أو يتعالى بعلمه، أو يتعاظم على غيره، فكان يُدعى إلى الدعوة فيمضي إليها، ويُسأل في الوليمة فيجيب إليها وكان رحمه الله لا يحمل الحقد والضغينة لأحد، وله نفس راضية، يتجاوز عمن أخطأ في حقه، ويعفو عمن أساء إليه.
Share this content:


