معركة السرد الفلسطيني ومسؤولية الأدب في حفظ الحقيقة

ادم محمد

 

رئيس المجلس الأعلى لجائزة فلسطين العالمية للآداب

 

في حرب السرد لا توجد مسؤولية أعظم من مسؤولية حفظ الحقيقة ونقلها إلى الأجيال القادمة. فالمعركة من أجل فلسطين ليست معركة الأرض وحدها، بل هي أيضاً معركة الذاكرة والتاريخ والوعي الإنساني.

 

وإذا كانت الأسلحة الصهيونية قادرة على تدمير المدن وقتل الأبرياء، فإن تحريف الحقائق وتشويه الروايات يستهدفان ذاكرة الشعوب وحقها في أن تروي تاريخها بنفسها.

 

لقد أثبت العدو الصهيوني، عبر عقود من الاحتلال والعدوان، أنه لا يكتفي بممارسة القتل والتدمير بحق النساء والأطفال، بل يسعى كذلك إلى تشويه الوقائع وتزييف التاريخ، وفرض روايته على العالم. وهذه الممارسات تذكّرنا بقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، وهو تحذير من خطورة تحريف الحقائق وإخراج الكلمات عن معانيها.

 

إن التخلي عن سلاح القلم والأدب والرواية في هذه المرحلة التاريخية يعني التفريط بجانب أساسي من مسؤوليتنا تجاه فلسطين وشعبها.

 

فإذا صمتنا اليوم، وتركنا الكلمة وغفلنا عن توثيق الأحداث، فكيف سنجيب غداً عن تضحيات آلاف الشهداء في فلسطين وغزة ولبنان وعلى أرض إيران في مواجهة العدوان؟ وكيف سنحفظ للأجيال القادمة حقيقة ما جرى، إذا لم تتحول هذه التضحيات إلى شهادات مكتوبة وأعمال أدبية خالدة؟

 

إن الكتب والروايات والقصص التي توثق بطولات غزة وسائر ساحات المقاومة ليست مجرد أعمال أدبية، بل هي وثائق إنسانية وتاريخية تحمل معاني البطولة والشرف والعزة والكرامة. ومن خلال الأدب تستطيع الشعوب أن تحفظ أصوات شهدائها وجرحاها، وأن تنقل معاناتها وصمودها إلى العالم، وأن تحول التجارب الفردية إلى ذاكرة جماعية لا يمحوها الزمن.

 

ومن هنا تبرز أهمية الدورة الثالثة لجائزة فلسطين العالمية للآداب، بوصفها محطة ثقافية لتعزيز حضور القضية الفلسطينية في الأدب العالمي، وتشجيع الكتّاب والمبدعين على إنتاج المزيد من الأعمال الأدبية والسردية التي تعكس حقيقة ما يعيشه الشعب الفلسطيني، وتخلّد تضحياته وبطولاته.

 

إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن نروي ونكتب ونواجه محاولات طمس الحقيقة بسلاح الكلمة. فالقلم ليس مجرد أداة للتعبير، بل وسيلة للمقاومة الثقافية وحفظ الذاكرة، والرواية قادرة على إيصال صوت فلسطين إلى شعوب العالم، وإبقائها حاضرة في وجدان الإنسانية وصفحات التاريخ.

 

وفي هذا الإطار، ندعو جميع الكتّاب والأدباء والمثقفين في العالم إلى المشاركة الفاعلة في توثيق شهادات الشعب الفلسطيني، والاستماع إلى ذكرياتهم وتجاربهم خلال حرب غزة و مواجهة الاحتلال الصهيوني في كل فلسطين، ولا سيما بعد عملية «طوفان الأقصى». فهذه الشهادات تمثل مادة إنسانية وتاريخية ثمينة ينبغي ألا تضيع، بل يجب أن تتحول إلى روايات وقصص ومذكرات وأعمال إبداعية تصل إلى مختلف الشعوب واللغات.

 

إن مسؤوليتنا لا تقتصر على توثيق الألم، بل تشمل أيضاً إبراز الصمود والأمل والإيمان بالمستقبل.

 

فمهما اشتدت المحن وتواصلت محاولات إسكات الحقيقة، ستبقى إرادة الشعوب المستضعفة أقوى من محاولات محو هويتها وذاكرتها.

 

وستظل فلسطين حاضرة ما دامت هناك أقلام تكتب حقيقتها، وروايات تحفظ تضحيات وصمود شعبها لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وأجيال تحمل رسالتها إلى العالم.

Share this content:

You May Have Missed