أصدق الشعوب والأمم في حمل الأمانة

بقلم محمـــد الدكـــروري

الحمد لله القائل في كتابه “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما” والصلاة والسلام على رسوله القائل ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ” ثم أما بعد لقد أمرنا الله تعالي بأداء الأمانات فقال تعالي ” إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلي أهلها ” وجاء في سبب نزول الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة، ليأخذ منه المفتاح فاختبأ عثمان فوق الكعبة، فتبعه علىّ وأخذ منه المفتاح عنوة، وفتح الباب، فدخل رسول الله البيت وصلى فيه ركعتين، فقام إليه العباس، ومفتاح الكعبة في يده فقال يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أين عثمان بن طلحة؟” فدعي له، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام علي بن أبي طالب أن يرد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ويعتذر إليه، ففعل ذلك عليّ، فقال له صلى الله عليه وسلم “هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء” فقال له عثمان يا عليّ أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟ فقال لقد أنزل الله في شأنك قرآنا، وقرأ عليه هذه الآية، وتكريما لشأن عثمان والمفتاح والأمانة، خصه صلى الله عليه وسلم وذريته من بعده بسدانة البيت والمفتاح فقال صلى الله عليه وسلم ” خذوها يا بني طلحه خالده تالده لا ينزعنها منكم إلا ظالم، يعني حجابة الكعبة ” ولما مات عثمان سلمه لابنه شيبه ومازال المفتاح حتى يومنا هذا في بني شيبة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عثمان بن طلحة أن المفتاح يؤل إليه يضعه حيث شاء.

وذلك لما منعه عثمان بن طلحة من دخول البيت قبل الهجرة، وكما أن السر أمانة وإفشاؤه خيانة ولو حصل بينك وبين صاحبك خصام فهذا لا يدفعك لإفشاء سره، فإنه من لؤم الطباع، ودناءة النفوس، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة ” وكما أن الكلمة الجادة الطيبة أمانة يلتزم بها المسلم، فيعرف قدر الكلمة وأهميتها، فالكلمة قد تدخل صاحبها الجنة وتجعله من أهل التقوى، وقد ينطق الإنسان بكلمة الكفر فيصير من أهل النار، وكما أن العقل لدى الإنسان أمانة فإن عمل بمقتضاه ونظم بالعلم والمعرفة وعمل فيه بطاعة الله تعالي كان مؤديا للأمانة خير أداء، وإن تعديت عليه بالمخدرات والمسكرات وغيبته عن الذكر والتفكر والعبادة فقد خنت الأمانة.

وكما أن الأمة في أيدي المسئولين والحاكمين أمانة، فإن قاموا بما يجب عليهم نحوها من نصح ورعاية وصيانة لكرامتها وحريتها أو أقاموها على شريعة الله كانوا أمناء أوفياء، والمال في أيدي الناس أمانة، فإن أحسنوا التصرف به والقيام عليه وأداء الحقوق الإجتماعية فيه كانوا أمناء أوفياء، لهم الذكر الجميل في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وإلا كانوا خونة ظالمين وسفهاء مبذرين، وكما أننا نجد الأمانة تنظم شؤون الحياة كلها من عقيدة وعبادة وأدب ومعاملة وتكافل إجتماعي وسياسة حكيمة رشيدة وخلق حسن كريم، والأمانة بهذا المعنى وهذه الحدود، سر سعادة الأمم، ويوم كانت أمتنا من أصدق الشعوب والأمم في حمل هذه الأمانة والوفاء بها كانت أمتنا خير أمة أخرجت للناس

Share this content:

You May Have Missed