الدعاء في ليلة النصف من شعبان

بقلم محمـــد الدكـــروري

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد ذكرا كتب الفقه الإسلامي الكثير عن ليلة النصف من شعبان وأما عن الدعاء فيها فقد ثبت ما يدل على مشروعية الإكثار منه فيها، وكما أنه لا صيام بعد النصف من شعبان، فقد قال نبي الله صلى الله عليه وسلم ” إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ” رواه أبو داود، وقد ذهبت طائفة من أهل لعلم إلى أن هذا الحديث لا يصح، منهم الإمام أحمد رحمه الله، وممن صححه من قال بأن النهي للكراهة، وليس للتحريم، وتستثنى هذه الصور من الكراهة الأول وهو من إعتاد أن يصوم صوما صام ولو انتصف شعبان، والدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم.

قال نبي الله صلى الله عليه وسلم ” لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه ” رواه البخاري ومسلم، وأما عن الأمر الثاني، وهو أنه من أراد أن يصوم معظم شعبان كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك من كان عليه قضاء أو صوم واجب، فلا خلاف في وجوب صومه ولو انتصف شعبان، ومن الأحكام التي نحتاج إلى التعرف عليها إذا انتصف شعبان مسألتان فالأولى وهي أن النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك، وهو الثلاثين من شعبان، حيث قال عمار رضي الله عنه ” من صام يوم الشك فقد عصي أبا القاسم صلي الله عليه وسلم ” رواه البخاري، ويوم الشك هو الثلاثون من شعبان، وهو اليوم الذي يشك فيه هل هو من رمضان أم من شعبان لغيوم أو سحابه ونحوه، وأما عن المسألة الثانية.

فإنه على كل مسلم أن يصوم مع دولته وأن يعتد بتقويمها، فهذا هو رأي المحققين من أهل العلم في هذا الزمان، وروي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال ” ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ” وقال الإمام ابن رجب الحنبلى رحمه الله وفى هذا الحديث فؤائد أحدهما أنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، ويشير إلى أنه لما إكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولا عنه، وفي قوله صلي الله عليه وسلم ” يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ” هو إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه.

إما مطلقا أو لخصوصية فيه لا يتفطن لها أكثر الناس فيشتغلون بالمشهور عنه، ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم، وكما أنه فيه دليل على إستحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله عز وجل، كما كان طائفة من السلف، ثم قال رحمه الله وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد فالفائدة الأولى وهو أنه يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، وخصوصا الصيام فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل إنه ليس فيه رياء، وقد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته، وكانوا يستحبون لمن صام أن يظهر ما يخفي به صيامه.